الأنا المتضخمة في خطاب الروائي

الاثنين 2017/05/01

لا يسلم أيّ روائيّ من أسئلة توجّه إليه عن شخصيّاته الروائيّة وأفكارها وممارساتها المسرودة في روايته، وبخاصّة حين تتّسم بشيء من الغرابة أو الاستفزازية، ولا تخلو بعض الأسئلة من اتّهام ضمنيّ أو ظاهر للروائيّ بأنّه هو نفسه مَن قام بتلك الأفعال، أو مَن يؤمن بتلك الأفكار، وأنّه يقوم بتلبيسها لشخصيّاته في محاولة للتهرّب منها، أو للتملّص من المساءلة والاستجواب.

وكأنّ الروائيّ مطالَب بتقديم كشف حساب عن أفكاره وما يدور في داخله من صراعات بين الشخصيات التي تسكنه، أو التي يخترعها، مستنداً إلى أفكار أو وقائع أو إشارات هنا وهناك، ويوضع في قفص الاتّهام لأنّه يتجرّأ على ابتداع شخصيّات متطرّفة غرائبيّة مشوّهة عنيفة، فيقال عنه إنّه يتعامل مع العالم بحقد وعدائيّة، في حين أنّه قد يوصف بالسطحيّة إذا اختار من جانب آخر شخصيّات طيبة مسالمة، فيقال إنّه يتعامل مع العالم ببراءة وسذاجة.

وبالحديث عن جانبي الإدانة والاتهام المسبقين عند بعض القرّاء الباحثين عن حياة الروائيّ وأفكاره في شخصيّاته بغية تأثيمه على ما تجهر به أو تفعل في سياق الأحداث المرسومة من قبله، يصدم الروائيّ بكونه ملاحقاً بناء على التخمينات والظنون، وتوضع أناه دريئة لعنف الآخر الذي لا يتحمّل صورة ذاته بما يسكنها من مخاوف ووساوس في عمله.

أنا الروائيّ متضمّنة بهذه النسبة أو تلك في كلّ شخصيّة من شخصيّاته بطريقة أو بأخرى، وهي أنا متشظّية إلى أنوَات، إلى آخرين وذوات متعدّدة، لأنّه يهندس حيوات كثيرة، يرسم لها بدايات ونهايات، يختار لها محطّات ومصائر ويضعها على أعتاب مفترقات طرق، وذاك التضمين لا يخفي التضخيم الذي قد يستشفّه البعض، بقدر ما يتكتّم على الآخرين ويمنحهم هامشاً للتأويل والتساؤل، ويعيدهم إلى ذواتهم، يحاول أن يحرّرهم من أوهامهم ومخاوفهم حين يقرأونها مكتوبة بلسان أحدهم، مبرّئة إيّاهم بطريقة مواربة وروائيّة من جنونها أو تطرّفها وغرابتها.

لفت التشيكيّ ميلان كونديرا في حوار له عن الأنا وتمظهراتها في خطاب الروائيّ وأفعاله إلى أن جميع الروايات في كل زمان تعكف على لغز “الأنا”، وأنّه ما إن يبتكر الروائيّ كائناً خيالياً، شخصية قصصية، حتى يواجه آلياً السؤال التالي: “ماهي الأنا؟ وبمَ يمكن إدراك الأنا؟”. ويجيب مستدركاً إنّ هَهنا تأتي اللحظة التي توجّب على الرواية في بحثها عن الأنا أن تهمل عالم الفعل المرئيّ لتعكف على اللامرئيّ في الحياة الداخلية.

يتخطّى الروائيّ قيود الأنا في علاقته مع عالمه الروائيّ، تغدو أناه ميداناً للعالم الرحب الذي يحاول تقييد مشاهد ومقتطفات منه، تغدو تلك الأنا المرويّة عتبة للآخر، تمرئي له صوراً من أفكاره وخيالاته وجموحه في مختلف حالاته، تؤكّد له بيتاً منسوباً إلى عليّ بن أبي طالب يقول “تحسب أنّك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر”.

كاتب سوري

15