الأنا والآخر والعلاقات الحميمة في معرض خاص جدا

نحاتون مصريون يروّضون الخامات الصعبة في تكوينات ناطقة في معرض النحت الجماعي "حوار خاص جدا".
الأحد 2018/10/14
المرأة في المعرض تشكل بعداً جمالياً وتعبيرياً عميقاً

يشهد معرض النحت الجماعي "حوار خاص جدا"، المنعقد حاليا في القاهرة، حساسية فنية فائقة في التعامل مع الخامات الصعبة وترويضها بعناية في تكوينات ناطقة تعكس جوهر العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة، والإنسان والآخر، والكتلة والفراغ.

يمثّل فن النحت المصري المجال الأخصب والأوسع للتواصل بين أجيال التشكيليين، بوصفه الفن الأعرق منذ عهد الفراعنة وصياغة المجسّمات العملاقة، والأبرز في عصر النهضة الحديثة الذي شهد التماثيل الإحيائية الفريدة وعلى رأسها أعمال محمود مختار الطليعية وتلامذته اللاحقين.

ويأتي الفنانون المعاصرون والجدد ليواصلوا الخطوات الواثقة في مضمار فن النحت محمّلين بالإرث الحضاري المتراكم، ومشحونين بالخبرات العريضة في تطويع الحجارة واستنطاق الخامات المستعصية واحتواء الفراغ.

في معرض النحت الجماعي “حوار خاص جدا” (2-13 أكتوبر)، بغاليري خان المغربي في حي الزمالك بالقاهرة، يؤسس الفنانون المشاركون لإمكانية تحويل الخامات الصعبة واللينة والحساسة على السواء إلى مصابيح وبلورات ناطقة.

الشباب يخوض مغامرات تصويرية وتعبيرية تعرّي أسرار الداخل وتطلق سراح الموجودات في فضاء بلا حدود 
 

هذه الخامات خلايا كهروضوئية مولّدة للطاقة بذاتها، تتمرد على عتمة الجماد لتنقل وضاءة الخلايا الحية الكامنة في الكائنات، وهي أيضا وجوه متحدثة، حكاءة، يمكن الاستماع لها، وإقامة حوارات من خلالها، والإصغاء إلى أصداء النفس البشرية في عزلتها وتواصلها.

يشارك في المعرض فنانون من أجيال مختلفة بأكثر من 25 عملًا نحتيّا بخامات متعددة، منها البرونز والرخام والحجارة والزجاج والبوليستر، ويقدّم النحاتون الشباب على وجه الخصوص تجارب ورؤى مبتكرة، خائضين مغامرات تصويرية وتعبيرية تعرّي أسرار الداخل وتكشف جوهر العلاقات الحميمة بين الرجل والمرأة، والإنسان والآخر، وتطلق سراح الموجودات في فضاء بلا حدود.

أحاديث جريئة وشفافة

معاصر الألوسي إلى جوار أعماله النحتية
معاصر الألوسي إلى جوار أعماله النحتية

يصغي الفنان الشاب عبدالله كارم فرج (25 عامًا) إلى الأحاديث والانفعالات التي تقترحها الكائنات، من ثيران وحشية هائجة، وديوك مقتحمة وغزلان شاردة، وغيرها، ويقيم حواراته الخاصة مع شركائه في الحياة على أساس من المودة والتفاعل، فالصفات البشرية

يمكن خلعها على كثير من الكائنات، والعكس صحيح، فقد ينسحب التوحّش والهياج والاقتحام والشرود على الإنسان.

وتتأتى الجرأة في أعمال الفنان معاصر الألوسي (40 عامًا) من خلال الانصهار الكامل لجسدي الرجل والمرأة في التقائهما الروحي وامتزاجهما العضوي، ويتخذ الفنان العلاقة الحميمة بينهما مدخلا لتوليد الطـاقة الخـلاقة في

 الوجود،  وإشعال الحرائق الإيجابية المحفزة،  المذيبة للجمود. وفي تكويناتها الزجاجية الشفيفة، تتعامل الفنانة يمنى شريف (25 عامًا) مع الخامة الطيعة لتنحتها أصابعها بدون مقاومة، منطلقة من حساسية الرؤية الشاعرية وشغفها الواضح بالألوان، التي تبدو كأنها وقعت  في غرامها.

تبرز الفنانة منحوتاتها المرهفة بألوان كثيرة مستقاة من البحر وأمواجه وأصدافه ولآلئه وأسماكه، وفي مقدمتها درجات الأبيض والأزرق. ويبدو في أعمال يمنى شريف أن المعنى الحقيقي للون الذي يطفو على السطح هو ذلك الضوء الداخلي الكامن في مسام الشكل.

ويقترح الفنان محمد محمود عالما موازيا من خلال حيتان وكائنات عملاقة، مصغيا إلى حكاياتها وأساطيرها، حيث يصير الحوار الخاص هنا مساءلة للذات واستعادة للتراث الشعبي وإذكاء للوعي الديني.

مراوغة وتحليق

يمنى شريف بجانب منحوتاتها الزجاجية
يمنى شريف بجانب منحوتاتها الزجاجية

 ويقدّم الفنانون الشباب عبدالرحمن العجوز وميسون الزربة وآية سليمان وإنجي عمارة تكوينات نحتية جسورة تحيل إلى منحوتات الميادين العامة والمناطق المفتوحة، حيث الاستقامة والشموخ وإعادة تعريف معنى التكوين، الذي لا يشترط أن يعادل كائنا بعينه، إنما قد يحتمل التجريد والتخييل واخـتـزال الشكـل في بعـض عنـاصره الدالة.

ويتخذ الفنانان مصطفى الفيومي (27 عاما) ووائل فرج (28 عاما) المرأة معبرًا للمراوغة والتحليق في آفاق عليا، حيث تتحرر الخامة من طبيعتها الصلبة مكتسبة ليونة تلائم الجسد الأنثوي والطاقة الباعثة على الحركة.في أعمالهما، تتراقص المرأة الهشة مثل باليرينا رشيقة، فتدور معها الأرض بأكملها.

وفي أحيان أخرى، تتشبث المرأة ببذخها الأنثوي ونضجها، لتتجلّى كأنّها القوة المركزية الجاذبة. ولا تبدو المرأة خاضعة لمقاييس جمال مسبقة، إنما ينحني الجمال ذاته لمقاييسها، حسبما تكون.

معرض “حوار خاص جدا”، حالة تفاعلية متقدة، يعيد بها الإنسان اكتشاف ذاته من خلال المجسمّات التي يختلط بها، ويحدّثها وتحدّثه، كما يفتح نافذة للإطلال على الآخر، في فورانه ونبضه وحراكه، وإن بدا ظاهريًّا في هيئة كتلة جامدة.

جانب من أعمال المعررض: اكتشاف الذات من خلال المجسمات
جانب من أعمال المعررض: اكتشاف الذات من خلال المجسمات

 

14