"الأنتربول الخليجي" خطوة جديدة في طريق العمل الأمني المشترك

الجمعة 2014/11/28
تدريبات قوات درع الجزيرة المشتركة القاسية تجعلها دائما على أهبة الاستعداد لرد أي عدوان مهما كان مأتاه

الكويت - التقلبات الأمنية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط منذ عقود، أضحت في السنوات الأخيرة أشدّ وأخطر على أمن المنطقة عموما من أيّ وقت مضى. ولأنّ دول الخليج العربي ليست بمعزل عن هذه المخاطر المتربّصة التي تزايدت حدّتها خاصّة مع حالة الفوضى التي تشهدها كلّ من سوريا والعراق نتيجة تمدّد تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي، فقد رفعت هذه الدول بدورها درجة التأهّب لمُجابهة أيّ تهديد مُحتمل.

الأخطار والتهديدات الإقليمية التي تحف بالأمن الوطني لأقطار الخليج العربي، أضحت في رأي مراقبين تستوجب تحركا عاجلا من دوائر القرار في بلدان مجلس التعاون الخليجي من أجل مزيد توحيد الجهود والمرور إلى مرحلة العمل المشترك المتقدّم لمكافحة الجريمة والأخطار الداخلية من جهة، ومن جهة أخرى مواجهة التهديدات الإرهابية التي ما فتئت تبحث عن منفذ لتعبث باستقرار الخليجيين وأمن أوطانهم الذي بقي عصيا عن الاختراق حدّ الآن رغم بعض العمليات المعزولة التي وجب التنبيه إليها، حتى تكون الحيطة أوسع وأشمل وأكثف.

في ذات السياق، أكّد مراقبون على ضرورة تطوير دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجيتها الأمنية للمرحلة المقبلة، بعد مراعاة كل ما يتصل بها من متغيرات سياسية واقتصادية وأمنية وديمغرافية ولوجستية أو تحالفات دولية جديدة وغيرها، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والسلام في منطقة الخليج العربي والمنطقة بوجه عام ورفع درجة التأهب.

تأهّبٌ تجلّى من خلال اتّخاذ دول الخليج عدّة قرارات وخطوات حاسمة ومهمّة في طريق حفظ أمنها الداخلي وتأمين محيطها، باعتبارها الجسم المتكامل الوحيد الذي بقي متماسكا في المنطقة (مجلس التعاون الخليجي)، كان آخرها من حيث الأهمية الإعلان عن البدء في مشروع إنشاء جهاز للشرطة الخليجية يكون بمثابة “إنتربول خليجي”، يرأسه مُقدّم إماراتي، ويكون مقرّه في أبوظبي.


أين تكمن أهمية الاتحاد الخليجي؟


يقول عبدالله خليفة الشايجي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت: “إنّ دول مجلس التعاون الخليجي تعدّ قوة إقليمية وشرق أوسطية ودولية في النظام الإقليمي والدولي، والأمن الخليجي قضية ديناميكية دائمة التغيّر، لأنّ معضلته الأساسية تكمن في أن المنطقة تعيش في اللحظة الحاسمة أو ما يسمى بـthe gulf era”.

تطورات الأحداث في المنطقة دعت إلى ضرورة تشكيل قوة عسكرية مختلفة تحت إشراف دول مجلس التعاون

كما أشار إلى “أنّ دول الخليج تحتوي على الكثير من القوة الناعمة والقليل من القوة الخشنة”، مؤكدا “أنّ هذه الدول مازالت تعتمد على الأمن المستورد”، موضحا “أنّ هناك 20 مليون وافد يعملون بالخليج ويحولون ما يقارب الـ 60 مليار دولار سنويا وهذا الأمر يُشكل معضلة، فعلى الرغم من بروز دور دول مجلس التعاون كهيكل مستقر ومتين العلاقات والتماسك، إلّا أنّها بالمقابل لم تستثمر طاقتها الناعمة من موارد ودور بارز، ولم تركّز على تحويلها إلى قوة رادعة توفّر لها الأمن الذاتي، على الرغم من أنها الأولى عالميا على مستوى التسلح”.

من جهة أخرى، أضاف الشايجي أن مجلس التعاون لم يتحول إلى منظمة أمن جماعي إلى الآن، مضيفا أنّ مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز القاضية بإطلاق الاتحاد الخليجي، لم يتم تسويقها بشكل جيّد، رغم انتشار العديد من الأخطار الحقيقيّة الّتي تُهدّد المنطقة بأكملها كالوضع الذي يعيشه كلّ من العراق وسوريا، فضلا عن مغازلة الولايات المتّحدة الأميركية لإيران، بالإضافة إلى أن التهديد للمنطقة زاد مع بروز تنظيم داعش وعودة القاعدة وغيرها، والفرز الطائفي في سوريا، مؤكدا أنّ الحاجة للاتحاد الخليجي زادت الآن أكثر من أيّ وقت مضى”.


أين يكمن الخطر الإيراني؟


في سياق آخر، وحول الدور الإيراني المكشوف في تقويض أمن دول الخليج العربي، قال خليفة الشايجي: “على الرغم من مساوئ نظام صدام حسين التي لا تخفى على أحد، إلّا أنّ إيران أيّامها لم تكن تستطيع أن تمضي في مشروعها التوسعي الخطير، لأنّها ببساطة كانت في صراع مباشر مع نظامه الذي كان يعتبر القوة الموازنة، غير أنّ العراق الآن للأسف أصبح يدور في الفلك الإيراني”.

قوة درع الجزيرة تهدف إلى صيانة الأمن البحري لدول الخليج

من جهة أخرى، لفت إلى “أنّ الهلال الممتد اليوم من طهران إلى لبنان، يعتبر متماسكا بعض الشيء رغم كل التخبطات التي تشهدها المنطقة، خاصّة أنّه حين يدّعي محاربة الإرهاب فهو بذلك يجذب الولايات المتحدة التي لا تفكّر بغير حفظ مصالحها إلى جانبه.

في المقابل فإنّ الحلف السني يعدّ ضعيفا جدا خاصة مع وجود فراغ استراتيجي في العالم العربي تُعاني منه دول الخليج، شأن غياب الدور المصري، وانشغال العراق بمشاكله الداخلية”. وفي سياق متصل، أشار الشايجي إلى “أنّه رغم أنّ دول الخليج تتفوق على إيران بامتلاكها للطائرات والأسلحة المتطورة إلّا أنها تتفوق على الخليج بالحرس الثوري والتفجيرات الإرهابية والمؤامرات والميليشيات وغيرها”، وهو ما يستوجب حسب مراقبين توحيد جهود الخليجيين الأمنية لمجابهة هذا الخطر بشكل منظّم.


ما الغاية من جهاز أمني جديد؟


قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف بن راشد الزياني إنه في إطار متابعة تنفيذ قرارات المجلس الأعلى لمجلس التعاون في المجال الأمني، اطلع وزراء داخلية الدول الأعضاء، خلال اجتماعهم الأخير الذي احتضنته الكويت، على الدراسة الشاملة بشأن إنشاء جهاز الشرطة الخليجية يكون بمثابة “إنتربول خليجي”، أعدها فريق عمل متخصص من وزارات الداخلية بدول المجلس وما اشتملت عليه من الجوانب التنظيمية والمالية والإدارية، وأصدروا توجيهاتهم بالبدء في إنشاء هذا المشروع الأمني الطموح الذي سيتخذ من مدينة أبوظبي مقرا له، مؤكدين دعمهم ومساندتهم لهذا المشروع ممّا يسهم في تعزيز التعاون الأمني المشترك بين دول المجلس، وزيادة مجالات التعاون والتنسيق المشترك بين الأجهزة الأمنية بدول المجلس.

وفي هذا السياق كشف هزاع الهاجري، الأمين العام المساعد للشؤون الأمنية في مجلس التعاون الخليجي، في تصريحات صحيفة، عن تعيين إطار أمني إماراتي على رأس هذا الجهاز هو المقدم مبارك الخيلي، مشيرا إلى أنّ “رئاسة هذا المركز الأمني ستكون بالتناوب بين دول المجلس الست، وذلك بقرار من الأمين العام، على أن تستمر الدورة الواحدة لمدّة ثلاثة أعوام”.

عبداللطيف بن راشد الزياني: الهدف من جهاز إنتربول خليجي هو تحقيق تنسيق أمني أكبر

ويخضع مشروع الشرطة الخليجية، الذي تمّ طرحه للنقاش منذ حوالي السنة، إلى قاعدة بيانات مشتركة بين دول المجلس على أن يُمثل شخص واحد من كلّ دولة خليجية نقطة اتصال بين دولته وبين جهاز الشرطة الخليجية في عملية تبادل المعلومات.

كما أوضح الهاجري أنّ قرار إنشاء الشرطة الموحّدة سيُصادق عليه وزراء خارجيّة دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماعهم الّذي يسبق القمة الخليجية الـ35 المقرّر عقدها في الدوحة الشهر المقبل.

وحول أهميّة هذا الجهاز كان الزياني قد أو ضح في تصريحات صحفية سابقة “أنّ الهدف من هذا الجهاز، الّذي هو بمثابة إنتربول خليجي، هو تحقيق تنسيق أكبر بين الأجهزة وتبادل المعلومات والتركيز على أنواع الجرائم التي تهدد المنطقة سواء المنظمة أو العابرة للحدود”.

هذا وتخشى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (المملكة السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وعمان وقطر) التي لم تطلها رياح ما سمي بـ”الربيع العربي”، من انعكاسات انعدام الأمن في بعض البلدان شأن سوريا والعراق واليمن.

كما أن الدول الخليجية تخشى الطموحات التوسعية لجارتها الإقليمية الشيعية إيران ومؤامراتها، حيث أعلنت خلال السنوات الأخيرة عن تفكيك عدّة “خلايا إرهابية”، قالت إنّها تعمل لحساب الجمهورية الإسلامية.


كيف يحمي الخليجيون أمنهم؟


دعت تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي إلى ضرورة تشكيل قوة عسكرية مختلفة تحت إشراف ورعاية مباشرة من دول مجلس التعاون، مما عجّل بالتفكير في إنشاء عدد من الأنظمة الدفاعية، التي تسعى إلى التصدي لأيّ اعتداء خارجي، وتعمل على التنسيق الأمني الداخلي في منطقة الخليج العربي، هي التالية:


◄ القيادة العسكرية الخليجية الموحدة


في 25 نوفمبر الجاري، كشف مصدر خليجي مطلع أن القمة الخليجية المرتقب عقدها في الدوحة الشهر القادم سوف تشهد إعلان “القيادة العسكرية الخليجية الموحدة”، وسيكون مقرها في السعودية.

وكان المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون قد وافق في 11 ديسمبر 2013 على إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس، وقد قام بتكليف مجلس الدفاع المشترك لاتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها، في إطار استكمال الخطوات والجهود الهادفة إلى تعزيز أمن واستقرار دول المجلس، وبناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي. وتهدف القيادة العسكرية المزمع إنشاؤها إلى تولي مهام التنسيق بين الدول الخليجية والتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، والذي يضم أكثر من 40 دولة، في حربه ضد التنظيمات المسلحة في العراق وسوريا.

مشروع الشرطة الخليجية، الذي تمّ طرحه للنقاش منذ حوالي السنة، يخضع إلى قاعدة بيانات مشتركة بين دول المجلس


◄ القوة البحرية الخليجية المشتركة


في 12 نوفمبر الجاري، أصدر مجلس الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي في دورته الـ13 توصيته إلى المجلس الأعلى بالموافقة على الدراسة الخاصة بإنشاء القوة البحرية الخليجية المشتركة، استكمالاً لقوة درع الجزيرة، التي تهدف إلى صيانة الأمن البحري لدول الخليج.

وتحمل القوة البحرية اسم “مجموعة الأمن البحري 81”، وجاءت عقب تطور الأحداث في المنطقة، وبعد تعالي العديد من الأصوات التي نادت بضرورة تكثيف التعاون الأمني لمواجهة التهديدات من جهة، وحماية ثروات المنطقة من جهة أخرى.

وتسعى دول المجلس إلى ظهور القوات البحرية الخليجية خلال العام الحالي، إذ يُعجل من تلك المساعي ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف إعلامياً بـ”داعش”، تحسباً لنقل معاركه من البر إلى البحر، وخشية من تعرّض الممرات المائية والمعابر البحرية لدول المجلس إلى خطر الاعتداء عليها، وخاصة أن تلك الممرات والمعابر تمثل شريان الحياة للاقتصاد الخليجي والعالمي.


◄ الإنتربول الخليجي


في 7 مايو الماضي، قرر وزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي إنشاء شرطة خليجية مقرّها أبوظبي، خلال مناقشتهم موضوعات أمنية مهمة، بهدف تعزيز العمل الأمني المشترك، وتحقيق الأهداف التي تسعى إليها دول المجلس لحماية الأمن والاستقرار، وصيانة للمكتسبات والإنجازات التي تحققت من مكافحة الجرائم وملاحقة المجرمين وحماية المجتمعات الخليجية. وقد تمّ الإعلان عن بداية تفعيل هذا المشروع منذ أيام خلال اجتماع وزراء داخلية المجلس الأخير الذي احتضنته الكويت.


◄ الدرع الصاروخي الخليجي


في 31 مارس 2012، التقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عدداً من المسؤولين في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، وذلك للاتفاق على إنشاء منظومة الدرع الصاروخي في منطقة الخليج العربي، فقالت: “نتطلع قدماً لبحث مسائل عدة؛ مثل الاهتمامات الاستراتيجية، ومنع إيران من الحصول على القنبلة النووية، والحد من التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار”.

دول الخليج مطالبة بتطوير استراتيجيتها الأمنية للمرحلة المقبلة، بعد مراعاة كل ما يتصل بها من متغيرات

ويهدف الدرع الصاروخي إلى حماية المنشآت الحيوية؛ كالمصانع والمناطق النفطية والمصالح الأميركية والأوروبية في الدول الخليجية، من الصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى كونه بمنزلة جهاز إنذار مبكر في حال أطلقت الصواريخ الإيرانية تجاه إحدى الدول الخليجية.


◄ درع الجزيرة


وفي نوفمبر 1982، قرر المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي إنشاء قوات درع الجزيرة المشتركة، لتكون بمنزلة قوات عسكرية مشتركة لدول المجلس، كما تهدف إلى حماية أمن الدول الأعضاء، وردع أي عدوان عسكري خارجي، ويقع مقر درع الجزيرة في السعودية.

وفي ديسمبر من نفس السنة، تم تغيير اسمه من “قوات درع الجزيرة” إلى “قوات درع الجزيرة المشتركة”، وهي عبارة عن فرقة مشاة آلية بكامل طاقتها العسكرية. وفي عام 2010، تجاوز عدد قوات درع الجزيرة الثلاثين ألف عسكري من ضباط وجنود، من بينهم قرابة 21 ألف مقاتل.

6