"الأنتيكا" تفرض قرارها على المخرجين

سيد سيما ميكانيكي وجامع سيارات قديمة يزوّد السينما والدراما العربية بكنوزه وفق شروطه.
الأربعاء 2018/07/04
لم يفقد الأمل في إصلاحها رغم تعطلها منذ 8 سنوات

القاهرة – كان سيد سيما حاضرا في كواليس فيلم “حرب كرموز” للمخرج المصري بيتر ميمي الذي يعرض في دور السينما حاليا، يراقب نجماته المجهولات أثناء لعب أدوارهن، لم يصدق أنه أمام عمل سينمائي مغاير للأعمال التي شارك فيها على مدار نصف قرن، إلاّ بعد أن تساءل الجمهور عن كيفية توفير السيارات الـ24 التي شاركت في العمل وهي تتفق مع الحقبة التاريخية له.

يقول الميكانيكي المصري سيد سيما لـ”العرب”، إن شهرة سياراته أدت أيضا إلى مشاركتها في ثلاثة مسلسلات رمضانية وهي “ليالي أوجيني”، “اختفاء” و”عوالم خفية”.

ويخشى سيما أن تتعرض سياراته للخدش، ويجمع معظم أسطوله في مرآبه الرئيسي بمدينة الإنتاج الإعلامي في منطقة 6 أكتوبر بغرب القاهرة، لا دخول ولا خروج إلاّ بسلسلة من الموافقات الأمنية والتفتيش المستمر على كل بوابة، ولا مجال لدخول عدسات المصورين إلاّ بموافقة كتابية من إدارة المدينة.

وسبق أخصائي “الأنتيكا” الكثيرين، عندما فكر مع رحيل الاحتلال البريطاني لمصر في خمسينات القرن الماضي، في اقتناء السيارات المتبقية، ودخل مزادات عديدة لهذا الهدف.

وتنتمي معظم السيارات التي شاركت في فيلم “حرب كرموز” إلى طراز “ويليس كواد” المعروف باسم “الغارة”، ولم تكن المعركة وأصوات الانفجارات هي شغله الشاغل فقط، لكن العدد الضخم من المشاركين والكومبارس الذين وصل عددهم إلى ثلاثة آلاف شخص، بينهم 20 طفلا، تعاملوا باستخفاف مع سياراته.

حوادث غير متوقعة

 

أعاد سيد سيما، كأشهر مورد للسيارات القديمة لخدمة السينما والدراما، اكتشاف نفسه بعد 50 عاما من العمل، عبر بوابة فيلم “حرب كرموز“ الذي يعرض في دور السينما، وقدّم نفسه كمنقذ لمخرج الفيلم بيتر ميمي عبر العشرات من المركبات الكلاسيكية التي فتحت باب التساؤلات عن كيفية توفيرها واستمرارها في العمل منذ قرابة القرن، ليكتسب الميكانيكي الذي عشق الفن شعبية كبيرة

على مدار الأعوام الماضية، كان سيد سيما حاضرا ضمن مسلسلات “الجماعة 2” و”كفر دلهاب” و”واحة الغروب”، وبعض الأعمال السابقة التي لعبت فيها سياراته دور البطولة بكل معانيها في فوازير “فطوطة” لسمير غانم والفنان محمود ياسين بالسيارة “زوبة” التي كانت لها أغنية كاملة باسمها في مسلسل “عندما تتفتح الزهور”.

وأكد لـ”العرب”، أنه شعر بالحزن على سيارة كلاسيكية تعرضت للتدمير في مشهد غرق “أسمهان” في المسلسل الذي حمل اسمها ولعبت بطولته السورية سلاف فواخرجي، حيث اضطر فريق العمل إلى تقطيع سقف السيارة كي تستطيع البطلة التنفس تحت الماء أثناء التصوير، وتمت إعادة المشهد أكثر من مرة لتظل معطلة حتى الآن.

ويتفق جامع السيارات القديمة مع المخرج على الدور الذي تلعبه سياراته، كما لو كان وكيلا عنها، وأصبح أكثر تدقيقا في تلك النقطة حتى لا يفاجأ بمشاهد خارج النص، مثلما حدث معه في فيلم “العيال هربت” للفنان حمادة هلال، فبعد أن تم الاتفاق مع المخرج والمنتج مجدي الهواري على استئجار سيارة تاريخية تحمل اسم “عزة”، أضاف مشهدا يتضمن غرقها في النيل، ما عرّضها لأضرار دفعتها إلى اعتزال المشاركة السينمائية لمدة سبع سنوات كاملة حتى تم إصلاحها.

ويحرص سيما على عدم تعرض سياراته للإيذاء في مشكلات، لكنه كان محظوظا مع بيتر ميمي مخرج فيلم “حرب كرموز” لأنه راعى متطلباته، عكس مخرجين كبار، مثل شريف عرفة الذي أضاف لسيناريو أحد أفلامه مشهدا لسيارة تحترق في الصحراء، ما دفع سيما لقطع التصوير واقتحام المشهد وتدخّل لإطفائها.

وتبدو السيارة “عزة” لها تقدير خاص عند سيد سيما، لأن الفنان إسماعيل ياسين استعملها في الكثير من أعماله القديمة، ومثلها سيارة ثلاثية العجلات للفنان عبدالسلام النابلسي “موديل 50” استقلها في فيلم “يوم من عمري” مع عبدالحليم حافظ، وهي صناعة ألمانية، وكانت تعتبر سيارة شعبية في مصر منذ ستين عاما، وتباع حينها بخمسين جنيها (نحو 6 دولارات الآن)، ولازالت في الخدمة حتى الآن.

بمجرد دخول مرآب سيد سيما، الذي يبدو من الخارج كمستودع للتخزين، فإن شعورا ينتاب الزائر بالعودة إلى الماضي بالسيارات القديمة التي لفها الغبار، مجاورة للحناطير الملكية التي تعود بالذاكرة إلى مسلسلات “بوابة الحلواني” و”الملك فاروق”، وصور الأبيض والأسود المعلقة على كل الجدران، وألبومات الصور التي تحكي جزءا من تاريخ السينما المصرية.

وكأنها ألبوم صور يحكي جزءا من تاريخ السينما المصرية
وكأنها ألبوم صور يحكي جزءا من تاريخ السينما المصرية

قناص فرص

مثلما يرفض سيما الإفصاح عن عدد سياراته، يرفض التطرق للمبلغ الذي اشتراها به، ربما يخشى عليها مع ارتفاع قيمة السيارات القديمة بوتيرة أسرع ممّا حققته أكبر صناديق التحوط الاستثمارية بالعالم، التي تؤكد بعض الإحصائيات أن العائد من استثمار السيارات القديمة بلغ 161 بالمئة خلال خمس سنوات، ومرجح أن يرتفع إلى 467 بالمئة بعد 10 سنوات.

ويشبه سيد سيما، الذي يرفض الإفصاح عن اسمه الحقيقي قبل دخول عالم السينما، القناص الذي ينتهز الفرص، فمع مساعي الرئيس جمال عبدالناصر لتحديث الجيش المصري بعد نكسة 1967، دخل سيما كمشتر لسيارات عسكرية قديمة على أنها خردة، ليعيد إليها الحياة من جديد، ويعود بعضها للخدمة، وهو ما ظهر في أفلام وأعمال درامية تناولت حقبة الستينات من القرن الماضي.

ولم يمنعه حبه للرئيس الراحل جمال عبدالناصر من اقتناء سيارة أميركية ضخمة ماركة “شيفروليه” من مقتنيات رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات وحصل عليها عن طريق الشراء من مسؤول سابق، وهي ذات أهمية جعلتها صالحة لتجسيد أي فيلم يدور عن السادات مثل فيلم “أيام السادات” بطولة الراحل أحمد زكي.

دفع تعلق سيد سيما بالسينما لحضور جلسات تصوير الأعمال التاريخية السينمائية، لمواجهة الطوارئ التي قد تنجم أثناء التصوير أو الأعطال المفاجئة، ما أعطاه مزايا الاقتراب من الفنانين وبناء شبكات صداقة معهم، ومعرفة كواليس إخراج الأعمال السينمائية، وإتقان فنون التصوير والإخراج وتقديم اقتراحات مفيدة في التصوير، خاصة في ما يتعلق بسلامة ممتلكاته.

سيد سيما: أنا وكيل أعمال سياراتي وأرفض أن يستقلها أي شخص غيري
سيد سيما: أنا وكيل أعمال سياراتي وأرفض أن يستقلها أي شخص غيري

ويشير لـ”العرب” إلى أنه يرفض دائما أن يقود أحد غيره سياراته، إلاّ من يجيدون التعامل معها حتى لا تتعرض للحوادث، وأحيانا يجبر المخرجين على الاستعانة بدوبلير للأبطال أو دفع السيارة يدويا للظهور كما لو كانت تتحرك ليلعب المونتاج الدور الرئيسي في إيصال إحساسها بالحركة للمشاهدين.

ويملك سيما سيارة “فورد موديل 29”، تم استخدامها في فيلم “ميدو مشاكل” بطولة أحمد حلمي، وفيلم “البطل” لأحمد زكي، و”جاغوار موديل 36” شاركت في مسلسل “الملك فاروق” للفنان السوري تيم حسن، و”أوبرون” وهي أول وأقدم سيارة موديل 1900 وتم استخدمها في كليب “شروق وغروب” للفنانة المغربية سميرة سعيد، وأفلام “أولى ثانوي” لنور الشريف، و”سمع هس” لممدوح عبدالعليم، و”يا مهلبية يا” للفنانة ليلى علوي.

ولديه سيارة “روفر موديل 48” تم استخدامها في فيلم “ناصر 56” لأحمد زكي و”جحيم تحت الأرض” لسمير صبري، ومسلسل “لا” ليحيى الفخراني، وسيارة “فيات موديل 49” التي تم استخدامها في مسلسل “جراند أوتيل” لعمرو يوسف، علاوة على سيارة “ستيدو بيكر” للفنان رشدي أباظة، و”بليموث” لعماد حمدي، و”توزوتو” للفنانة صباح، شاركت في العديد من الأفلام.

ويعترف في حواره مع “العرب”، بأنه يفضل السينما على الدراما، بسبب صداقته الطويلة للمخرج الراحل يوسف شاهين، الذي أطلق عليه لقب “سيما”، وكان معروفا بتكريس اللحظات السينمائية لخدمة أجواء التصوير، بدءا من تجهيزات الإضاءة والديكورات وأماكن التصوير، وصولا إلى حركات الممثلين وأدائهم.

ويوضح سيما أن سياراته بات لها زبون جديد في سوق الإعلانات، بعدما أصبحت تعتمد على القصة والاستعانة بطاقم كبير من الممثلين، مثل إعلان “فودافون” (العيلة الكبيرة) وإعلان شركة “الإمبراطور للملابس” بعربات الجيش ذات اللون الأخضر، وإعلان تلفزيوني خاص بمؤسسة الدكتور مجدي يعقوب للقلب وتم فيه الاستعانة بـ”حنطور ملكي أبيض”.

16