الأنثى المظلومة والظالم المقموع في رواية مسرحها ليل دمشقي

الأربعاء 2014/04/23
تخطيط لساي سرحان

دمشق - الاغتراب داء يصيب المجتمعات المعاصرة، يبتعد فيه الإنسان عن ذاته ويضيع ضمن بنى اجتماعية وأدوار مفروضة عليه مسبقا، الكاتب السوري خليل الرّز يرسم في روايته الجديدة “بالتساوي”، الصادرة عن دار “الآداب” (2014)، حياة شخصين، عبدالهادي وسميع ضمن مدينة الكل فيها عابرون وعشوائيون.

عبدالهادي ابن أحد التجار يُفرض عليه منذ ولادته كيف ستكون حياته، عليه أن يدرس الصيدلة ثم أن يتزوج من بديعة، طفولته هي تلخيص لحالة طبقة كاملة من سكان دمشق أصحاب الأموال الذين يحافظون على مكانتهم هذه وفق تقاليد صارمة يعاقب من يقف في وجهها بالإبعاد، حياتهم راكدة لا حراك فيها، إلا أن عبدالهادي يقرّر التمرّد حيث يخرج عن طاعة أبيه، فيدرس الأدب العربي ويسافر إلى بيروت لفترة وجيزة حيث يصرف نقود والده دون أي مبرر، فقط للانتقام، الأب هو عقدة في سبيل الحصول على الاعتراف، الاعتراف العائلي الذي من دونه يخسر كل شيء.


بورجوازية دمشقية

يستقل عبدالهادي في حياته ويبقى على اتصال مع صديق طفولته سميع الذي يعيش في منزل عجوز تنكّدت حياته، ويعمل موظفا في الدولة، بصورة دقيقة في مديرية إحياء التراث العربي. حيث يلتزم بعمله ويشتهر بنزاهته ودقته إلا أنه لا يرتقى وظيفيا، كحالة التقوقع التي تصيب موظفي الدولة في سوريا، فالثبات هو ما يحكم حياته.

يرسم الرز أبطاله بصورة العاجزين والمهزومين، فهم مكبلون دوما بقيود القهر


نفض الغبار


ليلة عرسه على زوجة الطفولة بديعة يهرب عبدالهادي، ويدخل إلى “كاباريه” في دمشق ليقع في حب الراقصة التونسية أزهار، ويبدأ بعدها رحلة طويلة من التلصص والتتبع لها ولفتاة أخرى، يهيم بها عبدالهادي ويحفظ كل تحرّكاتها، في حين أن سميع الذي كان معه في “الكاباريه” يتعرّض ليلتها إلى صدمة غيّرت كل أفكاره وقراراته حينما تحرشت به غانية فلبينية.

كل من عبدالهادي وسميع يمثلان محاولات للوقوف في وجه ما هو سائد، الأول يعشق الراقصة ويتعّرض للضرب والسباب في سبيلها والآخر يكره صديقته “ابتسام” تلك التي تركها وتفرّغ بشكل كامل لوظيفته.

الضحية أنثى

الأنثى تحكم الصراع دائما، كبت جنسي مصاب به كلّ من عبدالهادي وسميع يُفرَّغ بالمراقبة والتلصص، ليأخذ شكل زيارة لأحد أوكار الدعارة مرة وينتهي بهما الأمر إلى الهروب والتعرض إلى فضيحة، الجنس يخنق الشخصيات، له معادلات أخرى للتفريغ، معادلات مشوّهة تجعل الشخصيات تهذي وتبتعد عن رغباتها لتضيع في عالم من الوهم والغرق بالتفاصيل.

تقدّم الرواية نموذجين رئيسيين لامرأتين على أشدّ طرفي النقيض، بديعة، وليدة الأسرة والعادات والتقاليد، والأخرى التي هربت من تونس وعملت كراقصة في “كباريه”، وكأن نتيجة هذا الهروب هي الضلال والضياع، حكم مطلق يفرضه حتى عبدالهادي على أزهار بوصفها الضحية وهو المخلص، الأنثى مظلومة، محكومة بالمؤسسة والمجتمع والخطاب الذي يحدّد دورها.


تداخل السرد


الزمن في الرواية غير خطي، حيث يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل لتكوين رؤية مشوشة لدى الشخصيات لتعكس ما يمرّون به، كل شيء متصل، تراكمات من الأحداث تتداخل مع بعضها كاشفة عن عقلية الشخصيات المصابة بالاغتراب، فأصوات الماضي والحاضر ترسم الحدث “الآن” والحدث “هناك” لتكثّفه، فتنسلّ العبارات متلاحقة لتربط الواقع بالمتخيل، الظاهري بالأنطولوجي، الواقع مختلف عما تراه الشخصيات، لكل منها واقعها المتفرد ذو اللغة التي تميزه، تداخل الخطابات يقدم الحدث بوجهات نظر مختلفة تحمل اتجاهات أصحابها. بأسلوب مرهف تشير الرواية إلى التاريخ السياسي لسوريا، حيث تتحدث عن المعسكرات السريّة للحزب الشيوعي ومشاركة “سميع” في أحدها، فسنوات القمع ومبررات الخلاص التي قدّمتها “الجبهة الوطنية التقدميّة” حكمت على أي تنظيم سياسي أن ينضوي تحت عباءتها، هذا المنع والتشابه الذي تعكسه الأنظمة الشمولية انعكس على الشخصيات التي تهذي أغلب الأحيان، لعبة روائية ساحرة مكنت الرّز من اصطياد مواطن التشوّه في الشخصية السورية، عبر رسم ملامح المدينة من خلال عيون سكانها، أولئك المحكومين ضمن مؤسسات اجتماعية وأسريّة أفقدتهم ذواتهم والرؤية الصحيّة لحيواتهم.


العجز


يرسم الرّز أبطاله بصورة العاجزين، فهم مكبلون دوما، كل خطوة لا بدّ لها من ساعات وأيام من المراجعة والتفكير، العنفوان محكوم بالشباب بوصفه طيشا، وينتهي بالفشل، أي مغامرة ستنتهي بالسقوط، الهاوية أو القاع هما معادلان اجتماعيان يتمثلان في الرفض والنكران، وبالرغم من كل شيء، المدينة ومؤسساتها وطبقاتها الاجتماعية قادرة على احتواء كل شيء وتجييره لصالحها.

ترسم الرواية من خلال صفحاتها صورة عن الحياة الليلية في دمشق، تلك المحكومة بالكروش والكحول فكل شيء سلعة قابلة للتبادل ولها ثمن، حتى الجسد نفسه؛ في وصفه لأحد أوكار الدعارة نرى الجميع ينتظر دوره لقضاء وِطره، الجميع متساوون أمام بائعة الهوى ويتحاشون النظر في أعين بعضهم البعض، الحياة السريّة قائمة على التجاهل، النسيان حاجة موضوعية للقضاء على الشهوات وتفريغها بعيدا عن الصورة الظاهرية الجميلة والمكتملة “نظريا” للمدينة، فيد الفلبينية معلقة في ذاكرة سميع، تتراقص أمامه في كل السياقات، التجربة التي خاضها جعلته في صراع مستمرّ بين ما هو دفين ومخبّأ وما هو ظاهر وعام.

14