الأندلسي نونو جوديس: لا شيء قبل الشعر ولا بعده

الأحد 2015/03/01
جوديس: أن تولد في الغرب الأندلسي وتكتشف طفولتك الأولى في شارع مغربي

تسلم الشاعر البرتغالي نونو جوديس “جائزة الأركانة العالمية للشعر” من وزير الثقافة المغربي محمد أمين الصبيحي، ورئيس بيت الشعر في المغرب نجيب خداري، بحضور سفيرة دولة البرتغال في المغرب والشاعر العراقي سعدي يوسف. وقد تألق الشاعر البرتغالي في حفل “الأركانة،” الذي أقيم قبل أيام، في قاعة “القدس” بفضاء المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء.


شجرة الشعر


عادت جائزة الأركانة العالمية للشعر في دورتها العاشرة إلى الشاعر البرتغالي نونو جوديس، الذي تسلم الجائزة يوم السبت الماضي، في حفل استثنائي أقامه بيت الشعر في المغرب، ضمن فعاليات الدورة الحالية من معرض الكتاب المغربي بمدينة الدار البيضاء.

وبقدر ما بدا الشاعر البرتغالي نونو جوديس مبتهجا بالجائزة بقدر ما بدا متخوفا قلقا على المصير الإنساني الراهن، بسبب الابتعاد عن الشعري وعن الجميل والنبيل، وهو يحذرنا بأننا “إذا فقدنا الشعر سوف نفقد أنفسنا، وسوف تفتقد الإنسانية روحها لا محالة”. هذا ما أكده شاعر البرتغال اليوم، و”شاعر الأركانة”، وهو يلقي كلمة مؤثرة، حيث كان أول المتأثرين فيها.

قبل ذلك، وأثناء تقديم حفل الأركانة، توقف الشاعر المغربي حسن نجمي، أمين الجائزة، عند مصادفة حفل الأركانة لعيد الحب، وكيف تحوّل إلى “عيد الشعر” في البيضاء ومعرض البيضاء. وقد أكد نجمي أن جائزة الأركانة، ومنذ تسلمها الشاعر الصيني بي بيضاو سنة 2003، في دورتها الأولى، فقد أريد لها ان تكون جائزة كونية، يعانقها شعراء يمثلون مختلف الحساسيات والجغرافيات الشعرية. وهي اليوم تمنح لجوديس، وهو شاعر “له أكثر من قيمة”، يضيف نجمي، “وقد استطاع أن ينحت نصا شعريا عميقا وهادئ النظرة”، مشددا على أن نونو جوديس يعتبر بحق “وريثا حقيقيا للتراث الشعري البرتغالي الحديث، منذ كامويش وماريو ساكارنيرو وصوفيا دي ميليو. أما الشاعر ورئيس بيت الشعر في المغرب نجيب خداري، فقد ذهب مذهبا آخر، وهو يعتبر الاحتفاء بشاعر ينتمي إلى الجوار المغربي البرتغالي احتفاء من باب “تمجيد الجوار الشعري”، عبر تتويج شاعر “يفتن العالم بقصائد عميقة تختزل الوجود في كلمات قليلة بسيطة ومضيئة”.

لم تكن وظيفة الشعر يوما ما وظيفة سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية، ولكن وظيفة الشعر الأساسية عند نونو جوديس هي مساعدتنا على الحياة

من جانبه، شدد وزير الثقافة المغربي محمد أمين الصبيحي على دعم وزارته لجائزة الأركانة، التي يقدّمها بيت الشعر في المغرب كل سنة، لأن الوزارة إنما “تحرص على التجاوب مع المرامي الثقافية للجائزة” ولأن دعم مثل هذه الجوائز يؤكد “ارتباط الوزارة بكل المبادرات الرامية إلى ربط الوزارة بالحقل الثقافي المغربي والإقليمي والدولي”. ويرى الوزير أن الأركانة استطاعت عن جدارة أن توسع وتنوع من خارطة الجوائز الأدبية والثقافية الممنوحة داخل المغرب، مثلما استطاعت تعزيز الحضور الشعري في المغرب، متوقفا وقفة خاصة عند فرادة هذه الجائزة المتمثلة في عالميتها، وهي “تقيم حوارا شعريا يحضن مختلف التجارب الشعرية عبر العالم”. وفي ختام كلمته، كانت للوزير وقفة أخرى عند ميزة أخرى من ميزات هذه الجائزة، على مدى عقد من الزمن، ويقصد استمرارية الجائزة التي تضمن استمرارية الشعر وحضوره في أرض ووجدان المغاربة.

يذكر أن الجائزة العالمية التي يقدمها بيت الشعر في المغرب تحمل اسم “الأركانة”، وهي شجرة لا تكاد تنبت سوى في المغرب، ولا تثمر في غير هذا البلد، زيتها مضيء واسمها شهير في مختلف دول العالم، وهي أيقونة مغربية تمثل هوية الطبيعة المغربية الجذابة. وإذ يقدم بيت الشعر هذه الجائزة تحت مسمى “الأركانة”، فهو يجعل من هذا الانفتاح على الأفق الشعري الكوني انفتاحا ينطلق من عمق التربة المغربية، البعيدة الجذور، ما يجعل الجائزة ترتفع مثل شجرة أنساب وارفة تظلل كل شعراء العالم.


شاعر أندلسي


بالنسبة إلى الشاعر المتوج نونو جوديس، فقد أعلن أنه ظل، طوال حياته، يمتلك الإحساس بانتمائه إلى هذه الأرض المغربية التي أنبتت الأركانة. ويعلن جوديس أن “هذه الجائزة التي جاءت بمبادرة من بيت الشعر في المغرب قد رأيتها وهي تولد في بلد أحسّ نفسي فيه، مثلما أحس بأنني في بيتي”، وهو يقصد بيت الشعر في المغرب.

وأعلن الشاعر البرتغالي فرحه بنيل الجائزة، وهو يتسلمها من لجنة تحكيم مبرزة، جمعته، على حد قوله، مع نخبة من الشعراء الذين فازوا بالجائزة من قبل، وهم الشعراء الذين يقدرهم جوديس تقديرا خاصا كقارئ، على حدّ قوله، ومن بينهم “شاعر تمكنت من التعرف إليه عن قرب في فرنسا، وهو الشاعر الفلسطيني محمود درويش، قبل أن يختطفه الموت”، يضيف جوديس.

فمن كان يدري أنه شاعر أندلسي؟ هذا ما يؤكده الشاعر البرتغالي نونو جوديس في لقاء مع “العرب”، قبل انطلاق الاحتفالية، كما شدد على ذلك في كلمته، أيضا. ويؤكد لنا جوديس أنه إنما ولد في منطقة تدعى “ألغربي” بالبرتغالية، وتعني المنطقة الغربية من بلاد الأندلس، شرق البرتغال، على الحدود مع منطقة ويلبا، في اتجاه عاصمة الأندلس إشبيلية.

لا مجال لتحديد الشعر، لأنه فن شامل، بل هو الحياة نفسها، التي يمنحها الشاعر للكلمات والصور”، ولأن الحياة هي المادة الأولية لكل قصيدة

إقليم “ألغربي” هذا يقع في الجنوب الأقصى من البرتغال، هنالك حيث ولد الشاعر، كما يقول “في بيت يطل على الساحل، حيث يمكن أن نشاهد البحر على مرمى البصر والحجر”. ولأن هذا البحر يطل على المغرب، فقد تساءل الشاعر مرات عديدة عن البلاد التي تقع هناك في ما وراء البحر، كما تتبدّى مع سراب التخوم ولمع النجوم. “ألم تكن تلك الرؤية مشهدا للمغرب؟”، يتساءل معنا الشاعر.

من هنا، فقد اتخذ المغرب لديه “شكل بلد أسطوري”، على حدّ تعبيره، لكن هذا المغرب “كان أيضا أسطورة مألوفة على امتداد تاريخنا، منذ القديم، عبر تعاقبات الحروب والتحالفات”. لكن هذا الماضي الصدامي، بحسب الشاعر، “تمّ تجاوزه عبر الملامح والعلامات التي شكلتها الثقافة والشعر والمعمار الذي خلفه الحضور العربي في القرن الثالث عشر، في المدن، وفي بقاع عديدة من بلدي البرتغال”.

ويحدثنا نونو جوديس عن استعادة هذه الروابط البصرية الشعرية والتشكيلية والمعمارية، عندما زار العاصمة المغربية الرباط، لأول وهلة، حيث “أحسست يومها، في تجوالي عبر الأسواق، وفي فن الطبخ المغربي، وفي ألوان البيوت، وفي ذاكرة لها صور وطعم طفولتي المنصرمة”. لهذا السبب بالتحديد، يؤكد الشاعر أن حصوله على جائزة الأركانة، بالإضافة إلى قيمتها الأدبية، وإلى الاعتراف العالمي بتجربته الشعرية، تمثل بالنسبة إليه “قيمة وجدانية للقاء بين ثقافتين لم يستطع ولن يستطيع لا البحر ولا اختلافاتنا الطبيعية أن تفصل بينها”. ذلك لأن الشعر، وبحسب جوديس، دائما، “له ذلك الملمح اللازمني في تجاوز الحقب والشروط الجغرافية والتاريخية”. وهذا الشعر، عند جوديس، هو الذي يضمن أهم شيء تمتلكه الإنسانية، وهو الإيمان بجمال وحقيقة الكائن القادر على التوحيد والجمع بين قرائه على كلمة سواء وهي الكلمة الشعرية”. وعن هذا الشعر وماهيته، يقول جوديس للعرب بأنه “لا مجال لتحديد الشعر، لأنه فن شامل، بل هو الحياة نفسها، التي يمنحها الشاعر للكلمات والصور”، ولأن الحياة، يضيف جوديس، هي “المادة الأولية لكل قصيدة”. أما ما يميز الشعر عمّا سواه فهو “قدرته على أن يكون مستديما، وقدرته على تحقيق التواصل الخلاق مع الإنسان”.

لذلك، ينتهي جوديس في لقاء البيضاء، وفي حفل الأركانة، إلى أن الشعر هو الحياة، وأنه “حيث يفتقد الشعر تفتقد الروح الإنسانية”، محذرا من أننا إذا ما فقدنا الشعر سنفقد أنفسنا وننتهي. من هنا، لم تكن وظيفة الشعر يوما ما وظيفة سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية، ولكن وظيفة الشعر الأساسية عند نونو جوديس هي مساعدتنا على الحياة.

15