الأندية الأدبية في السعودية لا تجتذب الشباب

مثقفون وكتاب سعوديون: على أندية الأدب تغيير أساليبها.
الاثنين 2021/06/14
النوادي ليست مجرد منشآت

تعتبر الأندية الثقافية والأدبية في السعودية من أهم المؤسسات الثقافية التي قدمت الكثير للثقافة السعودية. لكننا اليوم نتساءل بعد عقود على تأسيس هذه الكيانات الثقافية هل تمكنت من خلق حركية أدبية وثقافية حقيقية؟ وهل واكبت طموحات الكتاب الشباب؟ تساؤلات تطرحها “العرب” على عدد من الكتاب السعوديين ليطلعونا على ما صار إليه حراك هذه الأندية ثقافيا وأدبيا.

انطلقت فكرة الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، لتشكل حاضنة للمثقفين والكتاب والفنانين من مختلف الأجيال، الأمر الذي حقق حراكا لا ينكره أحد، حتى أنها امتدت بطول المملكة وعرضها ولم تكن فعالياتها وأنشطتها تنحاز إلى جنس أدبي دون آخر. ومع تطور هذا الحراك الثقافي والأدبي بدأت الأندية في تبني نشر أعمال الشعراء والروائيين والنقاد وانفتحت على مختلف الأجيال والمناطق حتى امتد حضورها وتأثيرها على المستوى العربي بمناقشة أعمال فكرية ونقدية لكتاب عرب ونشرها.

الأندية تمتد من مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة والطائف وجازان إلى تبوك ومنطقة الحدود الشمالية والجوف وحائل والقصيم والمنطقة الشرقية والأحساء والباحة وأبها ونجران، ليتجاوز عددها ستة عشر ناديا أدبيا.

لا بد من التجديد

عيد بن عبدالله الناصر: الصيغة القديمة لعمل الأندية الأدبية لم تعد جاذبة للشباب

بداية يقول الناقد الأدبي عيد بن عبدالله الناصر “بخصوص النقطة الأولى ما إذا تمكنت الأندية الأدبية من خلق حركة أدبية وثقافية، من المهم أن نوضّح بأن الأندية الأدبية ليست متساوية في أنشطتها وحيويتها ورؤية القائمين عليها.. إلخ، فهناك أندية حافظت على الحد الأدنى من أنشطتها وفعالياتها، ولم تقدم ما هو متميز، وهناك أندية تعتبر علامات بارزة في المناطق التي توجد فيها مثل نادي جدة الأدبي ونادي الرياض أو نادي الدمام (في مراحله السابقة وليس في السنوات العشر الأخيرة)”.

ويستدرك الناصر “لكن بشكل عام أعتقد بأن الأندية الأدبية قد ساهمت في ‘تشجيع‘ الكتّاب والمثقفين سواء من الشباب أو غيرهم من كبار السن، وقد قامت هذه الأندية بنشر أعداد لا بأس بها من الكتب المختلفة، وساهمت في إصدار بعض المجلات والنشرات النوعية (حقول وقوافل من نادي الرياض، وعلامات من نادي جدة)، وعقدت الندوات في مختلف المواضيع الأدبية من شعر وقصة ورواية وأشرفت على مسابقات ووزعت جوائز على الفائزين والفائزات في هذه المسابقات.. إلخ. لكن موضوع ‘خلق‘ حركة أدبية فلا أعتقد أن الأندية الأدبية كانت قادرة على تحقيق هذا الهدف، لأن خلق حركة أدبية أو فنية أو ثقافية لها شروطها المختلفة، وجل ما يمكن أن نقوله هو إنها ساهمت في ‘تشجيع’ الحركة الثقافية ونشر أسماء الكتاب وإبداعاتهم داخل المملكة وخارجها، وهذا دور كبير وتشكر عليه الأندية الأدبية”.

محمد الحرز: مساهمة الأندية لا يمكنها أن تظل على وتيرة واحدة

ويضيف الناصر “أما بخصوص ما إذا كانت هذه الأندية قد واكبت طموحات الكتّاب الشباب، فأعتقد بأن ما قدمته كان محدوداً جداً. وأنا هنا أتحدث ويتمثل أمامي أنشطة النادي الأدبي بالدمام وفعالياته، فهو الأقرب بالنسبة إلينا في المنطقة الشرقية، وأستطيع أن أقول بنوع من الاطمئنان إن مساهماته في دعم الحركة الثقافية عامة وفئة الشباب خاصة محدودة جداً”.

ويعتقد الناصر أن الأندية الأدبية لا يمكنها الاستمرار بنفس الأسلوب السابق، وأرى بأن الصيغة القديمة لعمل الأندية الأدبية لم تعد جاذبة أو مغرية للشباب، وخصوصاً في خضم “السيول” المتدفقة بلا حدود على شبكات التواصل الاجتماعي في كافة الفنون والثقافات وعلى مدار الساعة.

الخيار الأفضل في رأيه هو دمج الفنون الثقافية والأدائية من مسرح وموسيقى وشعر ورسم وخط وغيرها في أنشطة مشتركة. فهذه الصيغة ستكون قادرة على تخفيف جو الرتابة والروتين في تقديم الأنشطة المختلفة، وربما أقرب مثال لدينا هو انطلاق مهرجان السينما السعودية الذي انطلق في بدايته بتعاون مشترك بين جمعية الثقافة والفنون والنادي الأدبي بالدمام.

ويرى الشاعر والناقد محمد الحرز أن “الأندية الأدبية لم تتأسس إلا لتؤدي حراكا أدبيا وثقافيا يطال مشهدنا مترامي الأطراف، وهذا ما حدث على وجه التحديد في العقدين السابقين، حيث نشط المبدعون والمثقفون كل في مجاله، مدعومين بقوة انفتاح الأندية على مختلف الأنشطة المنبرية وغير المنبرية. لقد كان الحراك بفضل تلك الأنشطة حراكا مؤثرا في شرائح عديدة من المجتمع وبالخصوص الفئة الشبابية، فرأينا كيف نشط قسم طباعة الكتب في الأندية، والكم الهائل من طباعة الكتب المتنوعة: روايات ودواوين شعر وقصص وكتب تاريخية وفكرية، وهذا ما كان ليحدث لولا الجهد الكبير الذي قامت به الأندية في المساهمة في صناعة مثل هذا الحراك”.

سامي الجمعان: عطاء الأندية الأدبية تراجع في السنوات الخمس الأخيرة

ويضيف “من يراقب معارض الكتب في المملكة منذ الدخول في الألفية الثالثة يلاحظ الإقبال الكبير من جميع فئات المجتمع على اقتناء الكتاب، وفي شكل تصاعدي من سنة إلى أخرى؛ حتى بات معرض الرياض من أكبر المعارض وأهمها في الوطن العربي. أليس هذا مؤشرا على الفعل الثقافي الذي وجد له حاضنة مؤسساتية أصبحت رافعة كي يقلع بالإبداع المحلي ويجترح به مناطق جديدة في الإنتاج الأدبي والثقافي”.

ويلفت الحرز إلى أن هذه المساهمة للأندية لا يمكنها أن تظل على وتيرة واحدة، فبالقدر الذي استجابت تلك الأندية في حينها للتحديات التي واجهت المملكة فيها الكثير من القضايا كمأزق الهويات وانحسار الحوارات الأدبية والفكرية واستطاعت أن تتجاوزها، فإنها الآن تحت مظلة رؤية المملكة 2030 تنطلق في آفاق غايتها الأساس نشدان العالمية والتحاور مع العالم انطلاقا من أدبنا وثقافتنا وخصوصيتنا التاريخية، وكما نجحت في التحدي الأول، بالتأكيد سوف تنجح في التحدي الثاني، مهما اختلفت التسميات التي ينطلق منها العمل الثقافي أو الأدبي.

ويؤكد الدكتور سامي الجمعان عضو نادي الأحساء الأدبي وأستاذ الأدب والنقد بآداب جامعة الملك فيصل أن “الأندية الأدبية السعودية المتوزعة عبر جغرافية المملكة وجدت لخدمة الحراك الأدبي النخبوي خاصة، وعلى رأسها العناية بالأديب وحفظ حقوقه ودعم منتجه، وهذا ما حاولت بعض الأندية الالتزام به على مدى مسيرتها، كنادي جدة الأدبي في فترة عبدالفتاح أبومدين الذي أصبح منارة أدبية علمية ثقافية يشار إليها بالبنان، عبر مطبوعاته التي صار يحرص عليها كل مثقف عربي، ثم نادي الرياض الأدبي ونادي المنطقة الشرقية”.

محمد محفوظ: الأندية وحدها غير قادرة على تأسيس حركة ثقافية وأدبية

ويقر بأن الأندية الأدبية كانت لها بصمة ودور ثقافي أنتج حراكا مختلفا، لكن وبصراحة شديدة لاحظنا تراجعا كبيرا في هذا العطاء في السنوات الخمس الأخيرة، نتيجة غياب الاستراتيجية في الحراك لبعض الأندية دفع إلى أن انحرفت بعض الأندية عن مسارها الأدبي وباتت منصة مفتوحة على كل التخصصات والموضوعات عدا الأدبية. وهناك أندية لم يعد لها وجود إلا الاسم فقط، وثالثة باتت مكانا للنزاعات من أجل الكراسي والمناصب. فعلى قدر ما أسهمت هذه الأندية في الحراكين الأدبي والثقافي على قدر ما توارت في السنوات الأخيرة، واختفى معها الأثر المأمول منها”.

ويوضح الجمعان فيما يخص دعم الأندية للشباب، فيقول “هذا موجود لكنه لم يكن ركنا أصيلا في استراتيجيتها فهو أمر مزاجي يقرره المسؤول عن النادي، وبحسب الرضا عن بعض المبدعين الشباب، وهذه مسألة محزنة، لأن وقود الإبداع هم الشباب، وهم الفئة الأكثر في المجتمع، لذا وجب أن تفرش لهم الأندية سجادة من الجذب والتشجيع والدعم.. هذا يعني أن ثمة خللا في الدور الذي تقوم به الأندية الأدبية يجب أن يصحح بما يواكب التحولات الكبيرة التي تعيشها المملكة، وهي تحولات استثنائية وبعض المؤسسات الثقافية لم تعد قادرة على مواكبتها إلا في حال تجديدها كيفا وكمّا، وضخ الدماء الشابة فيها، والأندية الأدبية في وضعها الحالي لن تستطيع مواكبة هذه القفزة السعودية اليافعة والواعية”.

مواكبة التغيرات

إبراهيم الحارثي: نحن في حاجة ماسة الآن لفهم طبيعة تغيرات المجتمع

يقول الكاتب والمثقف السعودي محمد محفوظ “صحيح أن الأندية الأدبية والمناشط الثقافية والأدبية المصاحبة لها دور أساسي في تأسيس حركة ثقافية وأدبية. ولكن من المؤكد أن الأندية الثقافية وحدها ليست قادرة على تأسيس الحركة الثقافية والأدبية. والمطلوب هو تراكم كل الجهود الثقافية والأدبية لتأسيس حركة ثقافية وأدبية. وأعتقد أن الأندية الأدبية على مسارها الحالي ليست قادرة على بناء حركة ثقافية وأدبية”.

ويشدد محفوظ على أن “تأسيس حركة ثقافية وأدبية بحاجة إلى شروط متكاتفة مع بعضها لخلق حرة ثقافية وأدبية. ولاريب أن تطوير حرية التعبير ومراكمة مختلف المناشط كلها لها دخل في بناء حركة ثقافية وأدبية. لذلك بناء حركة ثقافية وأدبية تتطلب توفر إرادة رسمية وشعبية مستدامة وتستهدف تطوير الحركة الثقافية والأدبية. إضافة إلى هذا ثمة حاجة إلى تطوير عملية الجهود الثقافية والأدبية الذاتية التي تتراكم مع الجهود المؤسسية وصولا إلى بناء حركة ثقافية وأدبية في الوطن“.

ويوضح الكاتب المسرحي إبراهيم الحارثي أنه “على امتداد خارطة الثقافة المحلية استطاعت الأندية الأدبية المنتشرة في مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها أن تخلق شكلا ثقافيا حيا ورائعا، مؤسسة استطاعت طوال عمرها الذي يتجاوز الأربعة عقود بأن تهيئ الأرض للحراك الإبداعي، وإن خف وهجها إلا أنها وسط كل هذه التوجهات المختلفة والتغيرات المتسارعة استطاعت أن تتقدم خطوات جيدة على كل المستويات، فمتى ما كان هناك دعم موجه لهذا الكيان فسنرى نتائج جيدة”.

عبد الله عقيل: هل ستستبدل الأندية ثيابها القديمة بما هو أكثر حداثة؟

ويستدرك الحارثي “لكن الأندية الآن تدور في حالة من التيه الثقافي والتي تحدّث عنها الكثير من المثقفين، والسبب عدم وجود خطط بعيدة المدى يمكن تحقيقها وسط الغاية والهدف. إن حراك الأندية الأدبية حراك لم يتميز بوتيرة واحدة، بل اتجه إلى العمودي والأفقي، متشبثة بالآليات التي لا تتواءم وطبيعة المرحلة الفكرية الآن، وأعتقد أن الأندية الأدبية هذا الكيان الذي قدم الكثير لثقافتنا المحلية بحاجة ماسة الآن إلى فهم طبيعة تغيرات المجتمع وتسارع الحركة في كل الاتجاهات لنصل بعدها إلى تحقيق الأهداف التي تخدم انطلاق هذا الوطن الذي يقدّر مبدعيه ويهديهم أجنحة من نور، ليكونوا علامات مضيئة في مسيرة الثقافة والأدب على كل المستويات المجتمعية“.

ويرى الكاتب المسرحي عبدالله عقيل أنه “خلال السنوات الخمسين الماضية كانت الأندية الأدبية هي النافذة المحركة للفكر الثقافي والأدبي وقد ساهمت بشكل إيجابي فيما تم طرحه في تلك الفترة. ولكن السؤال هل ستستبدل الأندية الحالية ثيابها القديمة بما هو أكثر حداثة وتجددا ومواكبة لما نعيشه من تحديثات على كامل الأصعدة؟ من أبرز مهام الأندية الأدبية دعم المواهب الشابة وتقديمها من خلال الأمسيات الأدبية وطباعة إصداراتهم هذه الجهود مستمرة، ولكنها مازالت قليلة ومقنّنة ونتمنّى أن تزداد على مستوى الكم والكيف”.

15