الأنطولوجيات غير الأمينة

الخميس 2014/05/29

يحرص واضعو الأنطولوجيات الأدبية في العادة على اتباع منهجية واضحة، سواء بتقديم نتاج جيل كامل من أدباء أمة ما، بغثه وسمينه، أو بتخيّر أكثر الأصوات تمثيلا لتياراتها في فترة محددة، حتى يظفر القارئ بصورة أقرب ما تكون إلى الموضوعية عن أدب تلك الأمة في مرحلة ما من تاريخها.

ولكن ما الحيلة وأغلب واضعي الأنطولوجيات عندنا لا ينصبون الموازين الحق في اختياراتهم، فيبجّلون الصديق وإن كان رديئا أو مبتدئا ليس له من رصيد سوى كتيّب يتيم، ويُعرِضون عمّن لا يخالطهم في المجالس الخاصة، على طول باعه وسعة تجربته وغزارة عطائه، فيعطون لغير العارف صورة مشوهة عن واقعنا الأدبي. بل إن عدوى تلك الممارسات طالت الأجانب الذين يرومون إعداد أنطولوجيا عن الحركة الأدبية عندنا، وحسبنا مثلا أن نطلع على أسماء الكتاب التونسيين الذين وقع اختيارهم في أنطولوجيات فرنسية وإنكليزية وإيطالية وروسية لنعرف أنهم من الدائرين في فلك المؤسسات الرسمية كوزارة الثقافة واتحاد الكتاب والحزب الحاكم زمن بن علي، أو الجمعيات التي نبتت كالفطر بعد الثورة، يقدَّمون في اللغات الأجنبية على أنهم خير من أنجبت البلاد، والحال أن أطولهم قزم وأشهرهم غِمْر.

وإذا سلّمنا بأن ذلك من طبيعة الجهد الفردي الذي قد يتخلله الهوى والتقصير، فما البال بعمل جماعي صدر عن دار باريسية كبرى، تحت إشراف جامعي متخصص وتزكية هيئات تربوية عليا، ليكون سندا تربويا ومرجعا معرفيا لطلبة المعاهد الثانوية. هذا المصنف الذي يحمل عنوان "أنطولوجيا الأدب المعاصر" أدرج كتابا مغمورين وغفل عن أدباء من ذوي الشهرة العالمية الواسعة مثل إريك أورسينا وجان دورميسون وفرنسوا نورّيسييه وميشيل ديون وخصوصا أميلي نوتومب، ما جعل جريدة لوفيغارو تعنون مقالة لاذعة احتلت صفحتين: "أيها الكتاب، هل توجــدون ضمن هذا المصنف المدرسي؟".

والسبب حسابات ضيقة لمجموعة تريد أن تفرض قناعاتها ليس على الطلبة وحدهم، بل على كافة المهتمين بالشأن الأدبي، فتعلي من تشاء وتحطّ من تشاء حتى تكون سلطة يعود إليها بالنظر كل دارس وباحث.

ويحضرنا في هذا المقام كاتبان فرنسيان آخران، الأول شارل دانزيغ الذي وضع "أنطولوجيا عاطفية" جمّع فيها من يهوى وأعرض عن الباقي، والثاني تييري مولنييه الذي لم يورد في "أنطولوجيا الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر" سوى بيت وحيد لفكتور هوغو نكالة بشاعر لا يَكِنُّ له الودّ، وتلك في كل الأحوال خيانة للأمانة العلمية التي يفترض أن يتحلى بها الأديب.


كاتب تونسي مقيم بفرنسا

15