الأوبئة تفتح فصلا آخر في التفاعلات الجيوسياسية العالمية

الأوبئة العالمية تشكل تهديدا وجوديا آخر للأمن العالمي وتحديدا لأمن البلدان التي لا تزال تعاني من مشاكل مركبة.
الاثنين 2021/06/21
تفادي أخطار المستقبل يبدأ من تعلم دروس الحاضر

واشنطن - حذّر مجلس رصد التأهب العالمي، الذي شارك في تنظيمه البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية في شهر سبتمبر 2019، أي قبل أسابيع من ظهور وباء كورونا، من أنّ الأمراض الفايروسية ذات الطابع الوبائي، مثل الإيبولا والإنفلونزا والسارس، تصعب إدارتها بشكل متزايد في عالم تسوده النزاعات طويلة الأمد والدول الهشّة وظاهرة الهجرة القسرية.

في ذلك الوقت شن الخبراء ومن بينهم النرويجية غرو هارلم براندلاند، التي كانت ترأس منظمة الصحة العالمية، انتقادات لاذعة للدول من أن المقاربات الموجودة في التعامل مع الأمراض والطوارئ الصحيّة لم تعد مجدية حتى أنهم وصفوها بأنها عبارة عن حلقة من الذعر والإهمال.

ولدى هؤلاء الخبراء ما يبرر رأيهم فهم يرون أن التجارب القديمة للتعاون الناجح بين الدول حتى خلال فترة الحروب تؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن الصراع والتنافس الجيوسياسي لا يجب أن يعرقلا التعامل العالمي الفعال مع الأمراض المميتة، بل إن دبلوماسية اللقاحات ستكون السلاح الفعال لمواجهة أي أزمة صحية. وليس ذلك فحسب بل المضي في بناء بنية تحتية صلبة لمواجهة مثل هذه الظروف مستقبلا.

ناهد باديليا: الوباء أظهر أن تهديد الأمن لم يعد مقتصرا على الحروب والتطرف
ناهد باديليا: الوباء أظهر أن تهديد الأمن لم يعد مقتصرا على الحروب والتطرف

وهذا الدرس المهم يفترض أن تأخذ به حكومات العالم الآن مع دخول الجائحة عامها الثاني لأن المحاولات المنفردة لمقاومة المرض سوف تستمر بالفشل إذا لم تكن هناك بوادر انفتاح أكبر للتكاتف من أجل القضاء على وباء قد يفتك بالملايين من البشر.

ومن الدمار الذي يسببه تغير المناخ إلى التهديد المستمر للحرب النووية، تشكل الأوبئة العالمية تهديدا وجوديا آخر للأمن العالمي وتحديدا لأمن البلدان التي لا تزال تعاني من مشاكل مركبة أثرت حتى على تعاطيها مع الأزمات الصغيرة.

ونقلت مجلة “ناشيونال إنتريست” الأميركية عن ناهد باديليا المدير المؤسس لمركز سياسة وأبحاث الأمراض الناشئة والمعدية في جامعة بوسطن أن أحد الأسباب التي تجعل الأوبئة العالمية تشكل مثل هذا التهديد هو أن “تفشي تلك الأوبئة يميل إلى استغلال الثغرات الموجودة بالفعل في مجتمعاتنا”.

وتؤكد باديليا أن جائحة فايروس كورونا أظهرت أن تهديدات الأمن العالمي لم تعد مقتصرة على المجالات العسكرية أو ممارسات العنف والتطرف، بل أصبحت الأوبئة عنصرا قد يكون الأخطر بسبب الاضطرار إلى التعامل مع عدو خفي.

وتضيف باديليا الطبيبة المتخصصة في الأمراض المعدية في الحلقة الأحدث من برنامج “برس ذا باتون”، الذي يتناول قضايا الأمن القومي، أن تلك الأوبئة “تفترس أولئك الذين نتركهم في البرد. وتستشري على حساب المجتمعات المهمشة التي لا تملك نفس الموارد”.

ويهدف المركز الذي تديره باديليا إلى جمع الخبراء للعمل على الإجابات على الأسئلة التي تنشأ خلال الأوبئة، بما في ذلك كيفية تثقيف الجمهور حول الأمراض المعدية، ومنع المعلومات المضللة، والاستفادة بنجاح من دبلوماسية العلوم، وتقديم المشورة بشأن الحوكمة العالمية المناسبة.

ويذهب هدف باديليا إلى أبعد من ذلك للعمل على “سد أوجه عدم المساواة الصحية مسبقا حتى نجعل أنفسنا أكثر مرونة”. وتشير إلى أن السياسة الاتحادية في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ليست وحدها التي تؤثر على قدرة البلاد على التعامل مع التهديدات الكارثية.

وتبدو القضية الرئيسية، لاسيما في الولايات المتحدة، هي أنه على مدى العقد الماضي تمت ملاحظة تراجع البنية التحتية للصحة العامة على مستوى الولايات.

وستزيد الميزانية المقترحة لإدارة الرئيس جو بايدن للرعاية الصحية، الإنفاق على الصحة والخدمات الإنسانية بنسبة 23 في المئة وسترفع ميزانية مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى 8.7 مليار دولار، مع واحدة من أكبر الزيادات في الميزانية على مدى الإدارات الأربع الماضية.

Thumbnail

ومع ذلك، توضح باديليا أنه في حين أن الميزانية مهمة لأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها نفسها شهدت انخفاضا في التمويل خلال عهد الإدارة الأخيرة، فإن ما لا يغطيه ذلك هو التفاوت بين الولايات وهذا يتطلب المشاركة على مستوى الولاية.

ويرجع هذا الانفصال إلى حقيقة أن الصحة العامة في الولايات المتحدة تخضع للقطاع العام ونظام الرعاية الصحية يخضع للقطاع الخاص. وفي إطار البحث عن حلول، تشير باديليا إلى أن هناك مشاكل في سلسلة التوريد ومشاكل في البنية التحتية للرعاية الصحية، ولكن ما جعل الأوبئة العالمية تحدث بسهولة هو “أننا نغير العالم من حولنا”.

ومن بين هذه التغيرات تزايد عدد السكان والتدهور البيئي، ولكن أحد التحولات الرئيسية هو أن هناك المزيد من الأشخاص الذين يعيشون على مقربة من الحيوانات، وأن هذا يسمح للفايروسات بأن تحقق القفزة التي لم تكن قادرة عليها من قبل.

وعلى رأس ذلك، تسلط باديليا الضوء على “أننا لم نتمكن من التعرف على الفايروسات الجديدة عندما تبدأ لأننا نفتقر إلى البنية التحتية للقيام بذلك. وأحد أكبر الدروس المستفادة من الجائحة على وجه الخصوص هو أن ما نحتاج أيضا إلى العمل عليه هو المساواة الصحية لأن ذلك يحمي الأشخاص من الأمراض ويساعدنا أيضا على معالجة ظهور حالات إصابة جديدة”.

وفي كثير من الأحيان عندما يأتي الأشخاص وتظهر عليهم أعراض للحمى والغثيان والقيء والإسهال، يتم إعطاؤهم مجرد علاج تجريبي للملاريا، وتتم إعادتهم مجددا إلى منازلهم، حيث لا توجد قدرة مختبرية على تأكيد ما إذا كانت هذه عدوى جديدة. ولسوء الحظ، تعتقد باديليا أنه “سيتعين علينا أن نمر بهذا عدة مرات أخرى قبل أن ندرك أن هذا هو المطلوب”.

وتختم باديليا بالقول إن “الحرب النووية، مثلها مثل الأوبئة العالمية، تشكل خطرا رئيسيا على مجتمعاتنا، وبالتالي على الأمن القومي”. ويبدو التحدي المتمثل في كيفية التخفيف من حدة هذه الأزمات، سواء كانت حروبا نووية أو أوبئة، هو أنه ما يعيشه العالم هو مجرد أزمات وجودية والكل يعاني من نفس المشكلة.

6