الأوبرا المصرية تتنازل عن ربطة العنق حبا في ياسين التهامي

وسط المئات من محبيه ومريديه أحيا مؤخرا الشيخ ياسين التهامي، الذي يلقبونه في مصر بأمير المدّاحين، حفلا إنشاديا في المسرح المكشوف بدار الأوبرا المصرية، وألقى قصيدته الطويلة المعروفة “قلبي خوى.. فقد الأحبة والهوى”، وراح متابعوه يتراقصون على إيقاع آهاته.
الأربعاء 2017/06/21
صوت أقرب إلى البوح

القاهرة – تعودت دار الأوبرا المصرية عدم السماح لجمهورها بحضور الحفلات دون ملابس رسمية، بل دائما تُدقق في أمور صغيرة مثل ربطات عنق الرجال، فإن نسي أحدهم أن يأتي بها أو تعمد ألا يأتي بها، فإنه لن يتجاوز عتبة المسرح، لكن في الحفل الأخير لأمير المداحين المصريين، ياسين التهامي، كما يلقب في مصر، كان الوضع مختلفا ولم تكن هناك ربطات عنق وسُمح للجميع بالدخول بمن فيهم أصحاب الجلابيب.

وتنازل دار الأوبرا عن أرستقراطيتها جاء خضوعا لعدم تنازل ياسين التهامي عن هيئته، فرغم شهرته محليا وعربيا ودوليا، إلا أنه لا يزال يرتدي الجلباب والعمامة ويلفُ الشال حول رقبته.

واستطاع التهامي الصعيدي القادم من قرية صغيرة تُدعى الحواتكة بمحافظة أسيوط (جنوب مصر) أن يُجدد الإنشاد الديني ويُؤسس مدرسة خاصة به أساسها الارتجال والتوحد مع النص، كما أنه استطاع أن يُعيد الروح إلى الشعر الصوفي وينقله من دائرته الضيقة التي كانت تقتصر على المُثقفين إلى دائرة العوام الذين صاروا يحفظون أشعارا للحلاج وابن عربي وابن الفارض والسهروردي.

ولا يأخذ عليه جمهوره أبدا، أنه لا يحكي لهم سيرة هؤلاء الصوفيين، فهذا ليس دوره، كما أن البسطاء الذين يأتون إليه في الموالد والحفلات لا يعنيهم من الذي كتب القصيدة، بل روح الذي يُلقيها، وهو ما يحرص عليه أمير المدّاحين.

وتعود جمهور التوهامي منذ أن بدأ الإنشاد في سبعينات القرن الماضي، ذوبانه مع النص إلى حد التلاشي فيه، فالمتأمل له وهو يقف على خشبة المسرح يشعر بأنه في عالم آخر يسبح فيه وحده، حيث يُنشد دائما وهو مغمض العينين متحررا من كل شيء، إلا من إحساسه.

المداح المصري استطاع أن يجدد الإنشاد الديني ويؤسس مدرسة خاصة به أساسها الارتجال والتوحد مع النص

ولا يعتبر التوهامي الإنشاد مهنة إنما هو صدق وتجلّ، إذ يقول عن نفسه “لم أكن أخطط لأن أكون منشدا، بل وجدت نفسي أسير في هذا الطريق منذ صغري كما المجذوب”.

ونشأ المدّاح المصري في أسرة لا ينقطع عنها الذكر، أبوه هو الشيخ التهامي حسنين الصوفي الزاهد الذي ساعده على حفظ القرآن وعلى تلقي تعليمه بالمعاهد الأزهرية حتى السنة الثانية من الثانوية العامة، ولم يستطع أن يكمل الدراسة بسبب ضيق الحال.

وكان من حسن حظه أن خاله أكبر منشدي الصعيد، وهو أحمد التوني الذي يطلقون عليه “ساقي الأرواح” وصاحب الصوت الدافئ الأجش، وتتلمذ التهامي على يديه وشرب منه أصول الإنشاد الذي يعتبره فيضا إلهيا.

وقرر النأي بنفسه بعيدا عن مدرسة خاله والاستقلال وأن يكون له أسلوبه الخاص، سواء في طريقة الإلقاء، أو اختياره للقصائد ذات الاتجاه الفلسفي الصوفي والتي لم يكن من اليسير آنذاك على الناس في قريته والقرى المجاورة أن يفهموها، لكنه بصوته الفريد الذي هو أقرب إلى البوح استطاع أن يمس أرواحهم ويخطف قلوبهم وعقولهم.

وساعده توظيفه للموسيقى في أن يتفوق سريعا على التوني وعلى منشدي عصره، ويجيد التعامل مع المقامات الموسيقية بمهارة عالية، ولم ينافسه في ذلك سوى المطرب السوري صباح فخري.

طوّر التهامي الإنشاد الديني من خلال استخدامه الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها، وابتكر نوعا جديدا مزج فيه إيقاعات النغم الشرقي الأصيل بالنغم الشعبي، وهو ما ميزه عن الأنواع الأخرى التي قد تتداخل معه، خصوصا الابتهال الديني الذي قدمه كل من طه الفشني والنقشبندي ونصر الدين طوبار.

والمتتبع لمسيرة “بلبل الصعيد” سيجد أن هناك عاملين أساسيين بجانب صوته الفريد وتجديده للموسيقى وراء تربعه على عرش الإنشاد، أولهما مزجه للأناشيد العامية التي اعتاد عليها الناس بالشعر الصوفي القديم حتى صارت لديه هو نفسه القدرة على كتابة القصائد.

أما العامل الثاني فهو تواضعه، إذ أنه بعد أن ينتهي من الإنشاد يظل يصافح محبيه ومريديه الذين يتسابقون عليه، فيُقبّل هو أياديهم، لأنه يرى أنه لا يزال مثلهم “مجذوبا صغيرا”.

16