الأوراق المنسية.. "قنابل موقوتة" في كل بيت

الثلاثاء 2014/01/28
الصور المنسية تخرج كالمارد فتعصف بالزوجين والأولاد وتهدم الأسرة

القاهرة- هل يمكن لورقة أو صورة أن تنهي العشرة والمحبة التي دامت لسنوات طويلة؟ هل من الممكن أن تقضي أشياء منسية على الأسرة وتشرد الأطفال؟ وهل يمكن أن تسامح على ما مضى من ذكريات الماضي البعيد؟ أسئلة كثيرة تدور حول ظهور بعض الأشياء الصغيرة والتي لم تكن في الحسبان وقد تكون سبباً في خراب البيوت.

أشارت بعض الدراسات الاجتماعية والإحصائية إلى أن التنشئة النفسية والاجتماعية الخاطئة تكون سبباً في عدم المكاشفة والمصارحة بحجة العادات والتقاليد وقد يكون ذلك سبباً في خراب العلاقة بين الزوجين وأكدت الدراسة على أنه ما بين 9 و16 بالمئة من حالات الطلاق وانهيار الحياة الزوجية، يعود إلى اكتشاف الزوج أو الزوجة أشياء عن الماضي أو ظهور بعض الأوراق أو الصور المنسية، التي تخرج كالمارد فتعصف بالزوجين والأولاد وتهدم الأسرة.

ظاهرة خطيرة تمثل تحذيراً لكل زوجين مازالا يحتفظان ببعض ذكريات الماضي، فهي ليست دعوة للخداع بقدر ما هي دعوة للحفاظ على الأسرة من الضياع.

وعن هذه الظاهرة قال الدكتور مهدي القصاص أستاذ علم الاجتماع: “في مجتمعاتنا العربية يعتبر عقد الزواج بمستوييه النفسي، من خلال الألفة والحب والحياة والمشاركة الزوجية، والمادي من خلال الالتزامات والحقوق والواجبات المعينة تجاه الأولاد والأسرة، رابطة مقدسة وفق نظام اجتماعي صارم لا يقبل الخروج عليه أو انتهاكه، وبالتالي فإن أياً من طرفي العلاقة الزوجية، لا يقبل أي دخيل يشاركه في الطرف الآخر، حتى ولو كان صورة أو ورقة منسية؛ لأنها غالباً ما تعبر عن وجود فرد آخر أو أمر خفي تحت أي مسمى، ومهما كانت المبررات فالمجتمعات الشرقية تسودها قيم الفردية والأنانية والسيطرة التي قد لا تعترف كثيراً بالأعذار والتسامح في أمور العلاقات الاجتماعية الحساسة، مما يدفع الأفراد إلى اعتبارها خيانة تستحيل معها أية رابطة اجتماعية، لذلك يجب أن يكون الحب والمصارحة هما عماد الحياة الاجتماعية بين الزوجين”.

نتيجة التنشئة النفسية والاجتماعية المغلقة سواء على مستوى الفرد وذاته أو على مستوى الآخرين والمجتمع يبغض البعض قيم الصراحة

التقينا "آمال.ع" محاسبة بأحد البنوك، وبعد صمت وتردد قالت: "بعد التحاقي بالجامعة كنت أحلم بالارتباط والحب والزواج ممن أحبه، حتى التقيت زميلا لي كان يهتم بي دون أن أدري، حتى توطدت علاقتنا واكتشفت حبي الشديد له واعترف لي هو الآخر بحبه، واتفقنا على الزواج بعد التخرج، وعشت معه أياماً سعيدة، كان يغدق عليّ خلالها الهدايا الجميلة بصرف النظر عن قيمتها المادية، لكنها لم تكن تقليدية، وأثناء المحاضرات كنا نكتب بعض الكلمات الغرامية على الكشاكيل والمناديل الورقية ونحتفظ بها".

استرسلت أمال في حديثها: "ذات ليلة إذ بأبي وأخي يضرباني بشدة، فقد وقعت في أيديهما كلمات هذا الزميل، وعرفا شخصيته وحكما على علاقتي به بالإعدام، وبعد تخرجي مباشرة زوجني أبي لابن أحد أصدقائه الذي كان مسافراً في الخارج بحثاً عن عمل، وسافرت مع زوجي وعشت معه سنوات جميلة، أنجبنا خلالها ثلاثة أبناء، وبحث لي عن عمل معه بناء على رغبتي حتى أساعده ولا أعاني الملل من وقت الفراغ".

واستدركت محدثتنا "ذات يوم تأخرت في عملي وعاد زوجي مبكراً، وعندما عدت وجدته يصفني بالخيانة والخداع فوقعت كلماته عليّ كالصاعقة ورفضتها بشدة، فواجهني بأنه أثناء بحثه في دولاب حجرة نومنا عن بعض أوراقه وقعت في يده عملة ورقية فئة عشرة جنيهات عليها صورتي وزميلي السابق، وكان حبيبي السابق قد أهداها لي فأعجبتني كثيراً، وعاهدته على ألا أتخلى عنها ووضعتها في حافظة أسراري وأوراقي الخاصة، وسألني زوجي عديد الأسئلة وجدتني عاجزة عن إيجاد تفسير لها، وتأزمت حياتنا الزوجية ووصلت إلى طريق مسدود؛ لأنه بدأ يشك في كل تصرفاتي فكان الطلاق حلاً بعد أن أصبحت الحياة جحيماً".

ما بين 9 و16 بالمئة من حالات الطلاق وانهيار الحياة الزوجية يعود إلى اكتشاف الزوج أو الزوجة أشياء عن الماضي

وعن تأثير الأوراق المنسية التي تعتبر كالألغام الموقوتة ومع انفجارها تعصف بالزوجين والأولاد وتهدم الأسرة، قال الدكتور أكرم محمود أستاذ علم النفس: “نتيجة التنشئة النفسية والاجتماعية المغلقة، سواء على مستوى الفرد وذاته أو على مستوى الآخرين والمجتمع، يبغض البعض قيم الصراحة والمكاشفة، وفي ظل هذا المناخ النفسي المريض تظل قيمة الثقة بين طرفي الحياة الزوجية مستقرة، فإذا لاح في الأفق ما يهددها، فإنها لا تقبل القسمة سوى على نقيضها، وهو الشك المدمر نتيجة وجود دليل مادي أو معنوي أو حتى هاجس أو مجرد شائعة، حيث تكون بمثابة المنبه الذي تتبعه استجابة تتعدد مستوياتها وأشكالها، سواء في حالة انعدام الاتزان النفسي الذي قد يؤدي إلى الانهيار التام أو الاكتئاب الحاد، أو اتخاذ ردود أفعال عنيفة تظهر في صورة سلوك عدواني تجاه الطرف الآخر الذي أصبح يهدد استقرار الحياة الزوجية، بعد اهتزاز الثقة المطلقة فيه، لأن المجتمع يزرع في الأفراد سمة التطرف في المشاعر الإنسانية، فإما أن يكون الإخلاص مطلقاً أو منعدماً ولا وسط بينهما يقبله الطرف الآخر”.

وأضاف: “قد يؤدي ظهور إحدى ذكريات طرف من هذين الطرفين متمثلاً في أوراق منسية، ربما يحتفظ بها غالباً نتيجة البحث عن إشباع احتياج عاطفي لا يتوافر من الطرف الآخر، وهو ما ينتج عنه حالة من الصراع النفسي بين مطرقة الصراحة التي قد تعصف بحياته الزوجية وبين سندان السرية والإحساس الدائم بالقلق والتوتر نتيجة عدم الاستقرار النفسي.

21