الأوروبيون مستعدون للتنازل عن إرثهم تحت وطأة الشعبوية

يبدو الأوروبيون على استعداد، أكثر من أي وقت مضى، لبدء التخلي عن إرث حقوقي تاريخي في ما يتعلق بأزمة المهاجرين، وذلك تحت وطأة التصاعد الصاروخي لموجة الشعبوية التي تجتاح العالم.
الأربعاء 2017/02/22
الترحيل ليس حلا

تدفع النجاحات التي يحققها الشعبويون في أكثر من بلد أوروبي عبر اكتساحهم لاستطلاعات الرأي، الطبقة السياسية التقليدية إلى التفكير في إجراءات غير مسبوقة في سبيل الحفاظ على مواقعهم بالسلطة.

وقبل سنوات قليلة من الآن، كان التفكير في التخفيف من قواعد حقوق الإنسان في ما يتعلق باللاجئين موضوعا غير مطروح بالمرة ويعتبر تخليا عن إرث تاريخي كبير.

غير أن الاعتداءات الإرهابية في نيس وباريس وبروكسل وبرلين والتي ارتبطت في معظمها بالمهاجرين، عجلت بقادة الاتحاد الأوروبي محاولة البحث عن حلول لمواجهة الأزمة.

وما يزيد من صعوبة الموقف في وجه العواصم الأوروبية، الصعود الصاروخي لقادة اليمين الشعبوي في دول مؤثرة كألمانيا وفرنسا وغيرهما، عبر استغلال موجة الخوف من الآخر لدى المجتمعات الأوروبية.

وقد يصبح السخاء الأوروبي في استقبال اللاجئين والحرص على إدماجهم صلب المجتمعات الغربية ورصد ميزانيات ضخمة لأجلهم، جزءا من الماضي في الأعوام القليلة المقبلة، إذ أن الطبقة السياسية الأوروبية التقليدية تفطنت إلى أهمية مقارعة اليمين المتطرف والشعبويين في صلب أطروحاته القائمة على نبذ الآخر وغلق الأبواب في وجه الوافدين، تجنبا لخسارة مذلة قد تعجل بنهاية الاتحاد الأوروبي كمؤسسة.

وأظهر اقتراح مشترك للحد من الهجرة تناقلته تقارير إخبارية الثلاثاء، أن ألمانيا وفرنسا تريدان أن يخفف الاتحاد الأوروبي ضمانات حقوق الإنسان بما يتيح لهما ترحيل طالبي اللجوء قبل أن ينظر القضاء في أمرهم.

ويقضي الاقتراح بعدم اللجوء إلى هذا الخيار إلا في أوقات التدفق الجماعي للمهاجرين على الاتحاد الأوروبي، ويأتي في وقت يعمل فيه الاتحاد على زيادة صعوبة دخول المهاجرين واللاجئين على حد السواء إلى الدول الأعضاء.

وفي حين أن الاتحاد الأوروبي يملك الحق في إبعاد المهاجرين الوافدين لأسباب اقتصادية إذا أراد ذلك، فإن القوانين الحالية الخاصة بحقوق الإنسان واللجوء تشترط أن تفي الدولة الثالثة التي ستقبل المهاجرين بشروط معينة قبل إرسال من يطلب اللجوء في أوروبا إليها لينتظر البت في أمره.

جونتر بوركهارت: المواقف اليمينية الشعبوية تحدد وبشكل متزايد سياسة بلداننا

وكانت إعادة طالبي اللجوء عنصرا أساسيا في اتفاق أبرمه الاتحاد الأوروبي مع تركيا قبل عام، وأشادت به باريس وبرلين في الوثيقة المشتركة باعتباره سببا في تحول جذري، لأنه خفض بشدة عدد الوافدين إلى أوروبا ومعظمهم من اللاجئين السوريين.

غير أنه لا يوجد من جيران الاتحاد الأوروبي الآخرين من يفي بالمعايير التي تتضمن الحماية من الاضطهاد وإتاحة الظروف الإنسانية والحصول على خدمات الرعاية الطبية والتعليم ولو بشكل جزئي.

ولهذا، تقترح ألمانيا وفرنسا تخفيف المعايير وتقولان إن نظام اللجوء في الاتحاد يجب أن يتسم بالمرونة.

وبعد أن انتهجت ألمانيا سياسة الأبواب المفتوحة في وجه أكثر من مليون لاجئ، عدل المسؤولون الألمان تحت ضغط رهيب مارسه حزب البديل من أجل ألمانيا عن تلك السياسة.

وأجرى فاعلون حكوميون زيارات مكوكية إلى أكثر من عاصمة أفريقية وآسيوية وعربية، لمحاولة إقناع نظرائهم بإعادة استقبال مواطنيهم مقابل مساعدات مالية وتنموية.

وبعد إبرام اتفاق الهجرة المثير للجدل بين تركيا والاتحاد الأوروبي، سعى الأوربيون إلى عقد تفاهمات مماثلة مع كل من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وأفغانستان ومالي والنيجر.وبالفعل، فقد نجحت برلين في الوصول إلى اتفاقات مع عدد من العواصم الأفريقية والآسيوية لترحيل مواطنيها، على الرغم من رفض المؤسسات الحقوقية لهذه الممارسات.

ووصل الأمر في ألمانيا إلى حد أن رفضت بعض الولايات الالتزام بالاتفاق الذي أبرمته الدولة مع أفغانستان على سبيل المثال، وعللت تمردها بغياب أي ضمانات حقوقية أو توفر الأمن في هذا البلد.

وكانت منظمة “برو أزيل”، المعنية بالدفاع عن حقوق اللاجئين، قد وجهت انتقادات شديدة للاتفاق الجديد بين الاتحاد الأوروبي والحكومة الأفغانية.

وعلق جونتر بوركهارت، المدير التنفيذي للمنظمة، على الاتفاق الذي أعلن عنه، الثلاثاء، قائلا “عمليات الترحيل إلى أفغانستان غير مسؤولة”. ورأى بوركهارت أن “السرعة الهائلة التي يضرب بها الاتحاد الأوروبي بحقوق الإنسان عرض الحائط مفزعة” وأن “المواقف اليمينية الشعبوية تحدد وبشكل متزايد السياسة الواقعية”.

كما يدعم الاتحاد الأوروبي إقامة وتمويل مخيمات في أفريقيا، حيث ستتعامل وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجماعات إغاثة أخرى مع المهاجرين للحيلولة دون عبورهم البحر المتوسط إلى أوروبا، لكن هذه الخطوة قوبلت برفض دول شمال أفريقيا بصفة خاصة.

كما دفعت هذه الخطوات الأوروبية المتسرعة في التعامل مع أزمة المهاجرين البابا فرنسيس، الثلاثاء، إلى الدعوة إلى تغيير جذري في النهج تجاه المهاجرين. وقال إنه ينبغي استقبالهم باحترام وندد “بالخطاب الشعبوي”، الذي قال إنه يؤجج الخوف والأنانية في الدول الثرية. وقال البابا، في كلمة مطولة أمام مؤتمر بشأن الهجرة في روما، إنه ينبغي عدم نبذ المهاجرين باعتبارهم منافسين بلا قيمة، وإنما يجب استقبالهم “باحترام لائق ومسؤول” لا سيما الذين يفرون من الحرب.

وقال الباحث البريطاني في شؤون اللاجئين بيرو ريكسيبي إن الإعلام يركز على ترامب كنموذج للحاكم الرافض لوجود اللاجئين وينسى أن أوروبا سعت قبل وصول ترامب للتخلص من أزمة اللاجئين بكل الطرق.

وأضاف أن بعض الدول الأوروبية غضت النظر عن بعض التصرفات غير القانونية في طرد اللاجئين، كما حدث في كاليه في فرنسا وتحطيم مخيم اللاجئين ومعاملتهم معاملة سيئة. مذكرا بأن هناك حالات سيئة أخرى حدثت في عرض البحر بحق اللاجئين.

5