الأوروبيون يرفضون تكرار السيناريو المصري في تونس

الخميس 2013/09/05
مخاوف من تكرار السيناريو المصري في تونس

لم تعُد بعض الدول الأوروبيّة الكبرى، وفي مقدّمتها ألمانيا وإيطاليا، تُخفي قلقها المتزايد حيال تطوّر الأوضاع في تونس في اتّجاه ما تعتبره انتقال عدوى الفوضى وانتكاسة مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد. ودعت وزيرة الخارجيّة الإيطاليّة إيمّا بونينو، التي أدّت زيارة رسميّة إلى تونس يومي أمس وأمس الأوّل، إلى "بذل جهود في تونس لئلا تصل الأوضاع فيها إلى درجة الغليان"، حسب تعبيرها. وصرّحت بونينو، بأن "تونس في حاجة إلى بذل جهود لئلا تصل الأوضاع فيها إلى درجة الغليان، كما هو الحال في بلاد أخرى في الشرق الأوسط". كان ذلك خلال مشاركتها في عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل في اجتماع أوروبي يتناول تطوّرات الأوضاع في المتوسط، بما يُدلّل على الأهميّة البالغة التي تُبديها أوروبا لتطوّر الأوضاع السياسية المتوترة في تونس.

حسب هذه المؤشّرات فإنّ وزيرة الخارجيّة الإيطاليّة قد ارتدت خلال زيارتها إلى تونس قبّعتين تخصّ الأولى بلدها إيطاليا الذي يسعى إلى الحفاظ على مصالحه في تونس، على المستوى الاقتصادي وكذلك فيما يتعلق بدفع السلطات التونسيّة إلى التصدّي بشكل أكثر حزم إلى الهجرة السريّة نحو سواحلها، أمّا القبعة الثانية في أدائها مهمّة لصالح الاتحاد الأوروبي وتقديم رؤيته للخروج من الأزمة التي تعتصر تونس منذ أكثر من شهر عقب اغتيال النائب المعارض محمّد البراهمي. وعلى خلاف وزير الخارجيّة الألماني الذي تجنّب خلال زيارته إلى تونس الالتقاء مع المعارضة الراديكاليّة التونسيّة الداعية إلى رحيل حكومة حركة النهضة الإسلاميّة وحلّ المجلس الوطني التأسيسي، فقد حرصت إيمّا بونينو على الاجتماع بمقرّ إقامة السفير الإيطالي بالعاصمة التونسيّة مع مختلف أقطاب المعارضة بما في ذلك حمّة الهمّامي أمين عام حزب العمّال والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة التي تضمّ 11 حزبا يساريّا وقوميّا.

كما استقبلت وزيرة الخارجيّة الإيطاليّة الباجي قائد السبسي، رئيس حزب "حركة نداء تونس"، بوصفه أكبر أحزاب المعارضة التونسيّة، وزعيم الحزب الجمهوري، أحمد نجيب الشابي، وأمين عام اتحاد الشغل، حسين العبّاسي، ورئيسة اتحاد الصناعة والتجارة، وداد بوشمّاوي. كما أجرت بونينو محادثات رسميّة مع كلّ من رئيس المجلس الوطني التأسيسي، مصطفى بن جعفر، ورئيس الجمهوريّة، محمد المنصف المرزوقي، ورئيس الحكومة والقيادي في حركة النهضة، عليّ العريّض، فضلا عن وزير الخارجيّة التونسي، عثمان الجرندي.

ولدى لقائها برئيس الجمهوريّة التونسيّة المؤقت أكّدت الوزيرة الإيطالية ثقتها في "نجاح تونس في تجاوز الإشكالات الظرفية التي تعترض مسارها الانتقالي وعلى قدرة التونسيين على تجاوز هذه المرحلة"، قائلة إنّ تونس "تمتلك كل مقوّمات النجاح لإرساء الديمقراطية الحقيقية التي نادى بها الشعب التونسي في ثورته ضد الديكتاتورية والظلم".

ويتّضح من خلال هذا البرنامج الحافل لزيارتها أنّ المسؤولة الإيطاليّة، التي أتت إلى تونس بصفتها أيضا ممثلة للاتحاد الأوروبي، حرصت على الاستماع إلى كلّ الفاعلين السياسيين في البلاد بهدف تبليغ صوت أوروبا وقلقها إزاء تصعيد الأوضاع في تونس وإقناع شقي المعارضة والسلطة بضرورة تقديم تنازلات تجنّبا للمجهول ولإيقاف مسار الانتقال الديمقراطي.

ومع ذلك فقد حاولت الوزيرة الإيطاليّة تجنّب الإيحاء بتدخّل بلادها أو الاتّحاد الأوروبي في الشأن التونسي أو مناصرة شقّ سياسي على حساب آخر، على غرار الانطباع الذي ساد لدى المعارضة التونسيّة بالنسبة إلى زيارة وزير الخارجيّة الألماني إلى تونس في أغسطس الماضي.

وقد علمت "العرب" أنّه في نطاق هذا المسلك المتكتّم، فضّلت وزيرة الخارجيّة الإيطاليّة عقد لقاء صحفيّ اقتصر الحضور فيه على مندوبي الصحافة الإيطالية وتمّ في مقرّ إقامة السفير الإيطالي في تونس.

وممّا يُلاحظ في هذه الزيارة أنّ الدبلوماسيّة الإيطاليّة حاولت مسك العصى من الوسط بين السلطة والمعارضة في تونس، تجنّبا للوقوع في الانطباع السيء الذي تركته زيارة وزير الخارجيّة الألماني جيدو فسترفيله. فقد علمت "العرب" أنّ إيمّا بونينو وإن كانت قد أبلغت الموقف الأوروبي الرافض لحلّ المجلس الوطني التأسيسي، بوصفه نتاجا لانتخابات نزيهة وشفّافة، فإنّها لم تعط صكّا أبيض لحزب النهضة الذي لم تلتق زعيمه راشد الغنوشي إلاّ خلال مأدبة عشاء. كما حذّرت في هذا الاتّجاه من عواقب عدم التفاعل الجدّي للحكومة، مُمثلة في حزب النهضة، مع مطالب المعارضة واستمرارها في نهج المماطلة وإن لم تُسمّها الوزيرة الإيطاليّة بهذه الصيغة المباشرة.

والجدير بالذكر أنّ وزير خارجية ألمانيا الاتحادية جيدو فسترفيله كان قد حذّر، خلال زيارته إلى تونس أواسط أغسطس الماضي، من تكرار السيناريو المصري في تونس وعبّر للمسؤولين التونسيين عن مخاوف ألمانيا الشديدة من تحوّل المشهد السياسي في تونس إلى العنف.

6