الأوروبي لم يعد سائحا سخيا

سياح أوروبا الشرقية يزاحمون المواطن في المواد الغذائية المدعومة والكهرباء والماء، دون أن تستفيد منهم البلد.
الأحد 2019/07/14
فرجة بلا مقابل

هل أن السياحة فعلا رافد اقتصادي مهم للبلدان العربية ذات الموارد المحدودة؟ سؤال صار يتردد منذ أحداث الربيع العربي وما تبعه من فوضى أمنية في البلدان التي عاشت موجة الانتفاضات التي طردت السائح القادم من أوروبا الغربية وما زال يتحسر عليه العاملون بالقطاع، خاصة بعد أن عوّضه سائح قادم من أوروبا الشرقية والذي لم تتحرك معه دواليب التجارة وحتى الخدمات.

تونس - كشفت آخر الإحصائيات أن الملايين من المواطنين في ألمانيا لا يستطيعون تحمّل تكاليف السفر لقضاء عطلات.

وأظهرت بيانات هيئة الإحصاء الأوروبية “يوروستات” أن واحدا من بين كل سبعة ألمان لم يستطيعوا العام الماضي قضاء أسبوع واحد على الأقل خارج منازلهم. ذات الإحصائية تشير إلى تراجع مستمر في نسبة الألمان غير القادرين ماديا على السفر لقضاء عطلات.

وبحسب الإحصائية، فإن الوضع أسوأ في كثير من الدول الأوروبية، فحال الإنكليز والفرنسيين والإيطاليين والإسبان ليس بأفضل حال من الألمان، هؤلاء أيضا لا يسافرون ومحظوظ من فاز بعطلة داخل بلده.

ربما ظل الأسكندنافيون قادرين على السفر وقضاء عطلهم، لكنهم يختارون بلدانا بعيدة عن رائحة البارود والتفجيرات والأخبار السيئة التي تلاحقها القنوات التلفزيونية العالمية، حتى هؤلاء لا يفضلون الدول العربية التي جعلت من السياحة رافدا اقتصاديا مهما لها مثل الأردن ومصر ولبنان وتونس والمغرب، أما الجزائر الوجهة السياحة المهجورة فهي تخطط الآن لتكون مزارا يجذب السياح بعد أن توقفوا عن زيارة الوطن العربي، أفلا تراجع السلطات الجزائرية مخططاتها؟

تونس فتحت أبوابها لسياح أوروبا الشرقية منذ 2015 بعد أن انهارت الأسواق السياحية التقليدية

ومن ما زال متعلقا بهذه الدول المطلة على البحر المتوسط لذكرى طيبة لم تمح من ذاكرته قد يأتي، لكنه لم يعد سخيا كما كان من قبل في أواخر القرن العشرين، لم يعد يشتري الهدايا التقليدية الثمينة تلك التي تصنعها الأنامل الناعمة وتسهر عليها ليال طويلة لتكون تحفة حقيقية، ولا يرتاد المطاعم الفخمة ولا النوادي الليلية غالية الثمن، هو يأتي ليستمتع بالشمس والبحر يتمدد على الشاطئ ويسبح، وقد يقوم بجولة في المدينة القديمة أو برحلة منظمة مع مجموعة إلى أحد المواقع الأثرية، وينتهي المشوار.

الميسورون من السياح صاروا يسافرون بعيدا عن الوجهات السياحية التي شوّهها الإرهاب والتطرّف، يريدون كثيرا من الأمان فلا يخاطرون بمالهم ولا حياتهم، يذهبون إلى جزر بعيدة في القارة الأميركية وأستراليا والجانب الجنوبي من القارة الأفريقية، حيث الطبيعة والعجائب.

ثم إن الانفلات المناخي إن صحّت العبارة، الذي اجتاح العالم “أنعم” على القارة الأوروبية بحرارة الشمس بل حتى لهيبها، فصار الناس يستمتعون بصيف كانوا يسافرون إليه في جنوب المتوسط، صاروا يسبحون في أنهار بلدانهم وبركها ومسابحها ويستحمون في النوافير، ويسترخون في الحدائق، فلماذا السفر والصيف عندهم؟

المتقاعدون من الأوربيين الذين يضطرهم برد شتائهم القارس القدوم أفواجا إلى بلداننا الدافئة، لن يضطروا إلى ذلك في الأشتية القادمة، فشتاؤهم أصبح دافئا أيضا، وما عليهم إلا أن يقوموا بجولات قصيرة في حدائق مدنهم، أو يركبون النقل العام المجاني لهم في رحلة عبر المدينة، أو يراجعون الطبيب في زيارات روتينية، إلا إذا كانت معاشاتهم لا تكفيهم للعيش هناك، فيهربون من فقرهم إلينا، وعليه لن نرجو منهم فائدة اقتصادية حقيقية، الأمثلة كثيرة ومن يسكن في مدينة سيـاحيـة يعرف هـذا النوع من الضيوف.

سائح لم تتحرك معه دواليب التجارة وحتى الخدمات
لم تتحرك معه دواليب التجارة وحتى الخدمات

أزمة السياح في البلدان العربية التي مازالت تصر على أن السياحة رافد اقتصادي هام جعلت المستثمرين وحتى السلطات المكلفة بإدارة الشأن السياحي يجدون الحلول سريعا دون تخطيط أو دراسة شاملة، توجهوا إلى أوروبا الشرقية، أو كما يسمونه السوق الشرقي، وانهالت أفواج السياح من هذه الاتحاد السوفييتي سابقا، فركب الروس المناطيد في مصر، واضطرت السلطات الجهوية في مدينة المنستير الساحلية في تونس إلى استخدام اللغة الروسية في لوحات توجيهية بشوارع المدينة، بعد أن أصبح الضيوف الجدد يمثلون 30 بالمئة من الوافدين على النزل في المنستير، في سابقة هي الأولى بتونس، بل ربما في الوطن العربي.

يذكر أن تونس فتحت أبوابها لسياح أوروبا الشرقية منذ 2015 بعد أن انهارت الأسواق السياحية التقليدية عقب الهجمات الإرهابية، وباتت الروسية من بين اللغات الشائعة في المنتجعات السياحية مع الارتفاع الكبير لعدد السياح الروس. وأعجب السياح السلوفاكيون بالشاي المغربي، والعمارة القديمة وخاصة في طنجة، أين يستمتعون بالشاطئ والشمس الأفريقية، وأسال لعابهم المطبخ المغربي، فتذوقوه بأصنافه، وبهاراته.

سياح أوروبا الشرقية يأتون إلى الدول العربية في رحلات منظمة “أول انكلوزف” اي يأكلون ويشربون وينامون مقابل معلوم معيّن يدفعونه مسبقا.

استعد العاملون والموظفون في القطاع السياحي والمستفيدون منه بالقادم الجديد وتعلموا من لغته ما يكفي للتواصل، حتى تجار الأنتيكة والمنتوجات التقليدية تعلموا الترحاب والبيع والشراء باللغة الروسية، لأنهم يريدون الخروج من عنق الأزمة التي يعيشون.

الاكتفاء بالصور التذكارية
الاكتفاء بالصور التذكارية

لكن المفاجأة التي أول من علمها عمّال الفنادق والمطاعم، علموا أن السائح الجديد لا يعطي بقشيشا، لم يزعجهم ذلك كثيرا، لأن وجوده يحافظ على عامل النظافة والنادل والفراش في عملهم بعد أن كانوا مهددين بالجلوس على رصيف البطالة، ثم تبعهم التجار الذي حاولوا جاهدين إقناع السائح الجديد بشراء هدية ثمينة تظل ذكرى الرحلة، لكن أضطر بعضهم في الأخير إلى تحويل وجهة محله إلى مصلحة تجارية أخرى منهم من حول محله إلى مقهى للشباب المحليين المعجبين بالعمارة والأجواء القديمة، وترك لغات الدنيا والزبائن الشقر، ومنهم من غير بضاعته التقليدية الثمينة بأخرى رخيصة قادمة من الصين.

هؤلاء التجار يتساءلون من المستفيد من السياحة الجديدة تحديدا من سياح أوروبا الشرقية، أهلا بهم، لكنهم هكذا أصبحوا يزاحمون المواطن في المواد التي تدعمها الدولة، فيشاركون المواطن المواد الغذائية المدعومة والكهرباء والماء، دون أن تستفيد منهم البلد.

قليلون من يستفيدون من سائح أوروبا الشرقية، وهم تحديدا أصحاب الفنادق ووكالات الأسفار، أما الدولة فتدفع لهم دعم بعض المواد، لذلك يبدو أن القطاع السياحي بهذه الحلول لن يكون رافدا اقتصاديا حقيقا، حتى وإن تعللت الحكومات بأن الفائدة تكمُن في جلب العملة الصعبة.

السائح الجديد لا يعطي بقشيشا
السائح الجديد لا يعطي بقشيشا

حري بالحكومات أن تبحث حلولا جدية كي تستعيد السائح الثري وهو أمر صعب في ظل الفوضى الأمنية التي يشهدها الوطن العربي، أو أن تستقطب السائح الصيني وهو سائح جديد خرج حديثا للتنزه في أرجاء العالم، ليصل عددهم إلى مئة مليون سائح سنويا. فالمغرب تحرص على استقبال الصينيين وقد بلغ عدد القادمين لقضاء عطلتهم سنة 2018، حوالي 120 ألف صيني، وينفق الواحد منهم بشكل يومي حوالي 2500 درهم (262 دولارا أميركيا تقريبا)، في حين لا يتعدى معدل الإنفاق اليومي لباقي السياح الأجانب حوالي 1800 درهم (حوالي 190 دولارا أميركيا)، ليحتل الصيني المرتبة الأولى مخلفا وراءه سياح الجنسيات الأخرى من أوروبا الغربية التي تزور المغرب.

حلول أخرى يمكن أن تقترحها الحكومات لإنعاش دواليب اقتصادها لتبقى السياحة واجهة للترويج لثقافة البلاد وتراثها بعاداته وتقاليده، كما تفعل المراكز الثقافية المنتشرة في العواصم الأجنبية وفرق الفنون الشعبية التي تجول العالم.

16