الأوصاف والنعوت الساخرة تخلف ندوبا غائرة في نفسيات الأطفال

التعنيف النفسي للطفل متأصل في الممارسات الثقافية والاجتماعية بسبب الاعتقاد السائد بين الآباء بأن الصراخ في وجوه صغارهم أمر طبيعي.
الأربعاء 2020/06/24
غرام وقاية خير من قنطار علاج

الكثير من الآباء والمدرسين يجهلون أن الطفل قادر على فهم العبارات الساخرة منذ مراحل عمره المبكرة، كما لا يدركون أن الأوصاف والنعوت السلبية التي يطلقونها عشوائيا ضد الصغار تظل محفورة في عقولهم الباطنة، ومن الصعب عليهم التخلص منها عند الكبر، والأسوأ أنها تسبب لهم مشاكل سلوكية ونفسية كالعدوانية والقلق والاكتئاب.

يتعرض الكثير من الأطفال إلى أشكال مختلفة من النعوت والأوصاف السلبية في الأوساط الأسرية والمدرسية، وفي الغالب لا يعير الآباء ولا المدرسون اهتماما كبيرا لما يطلقونه من عبارات ساخرة نحو الأطفال، لكنها يمكن أن تكون سببا في معاناة الكثيرين من مشاكل نفسية على المدى الطويل، وربما تلقي بظلالها على شخصياتهم، وتساهم في تدمير مستقبلهم وعلاقاتهم بالآخرين.

ويؤكد خبراء أن التحقير والسخرية والصراخ والشتم تمثل أكثر أنواع العنف النفسي شيوعا ضد الأطفال، وإن كانت لا تترك آثارا واضحة على أجسادهم، فإنها قد تخلف آثارا مدمرة على سلوكهم النفسي والاجتماعي.

وتكمن المشكلة، في كون أن مثل هذا النوع من التعنيف النفسي للأطفال، متأصل في الممارسات الثقافية والاجتماعية، بسبب الاعتقاد السائد بين الآباء بأن الصراخ في وجوه صغارهم والسخرية منهم وإهانتهم من الامور الطبيعية، وحتى في الدول المتقدمة يصنّف هذا النوع من الاعتداء على الأطفال على أنه من أدوات العقاب الفعالة لضبط سلوك الأطفال وتربيتهم، لذلك لا تؤخذ ضده أي تدابير قانونية رادعة، وقلما توجد إحصائيات بشأنه، فضلا عن قلة الخدمات المقدمة للأطفال المعنفين نفسيا ولفظيا.

متنفس لتفريغ الغضب

لكن برغم الجوانب السلبية الناجمة عما يتعرض له الطفل من عنف نفسي جراء المعاملة اللفظية القاسية داخل الأسرة، فإن البعض من الأمهات ممن تحدثت إليهن “العرب” يعتقدن أن توجيه الشتائم للأطفال ونعتهم ببعض الأوصاف والنعوت السلبية يمثل متنفسا لهن لتفريغ حدة غضبهن، بدلا من اللجوء إلى التعنيف الجسدي لابناهن، فيما رجحت أخريات أن الحذر في انتقاء الألفاظ أمر ضروري، لأن الطفل الذي يتلقى الإساءة اللفظية مرارا وتكرارا في حياته، ليس كالآباء الذين يطلقونها ضد أبنائهم من دون أن يختبروا وقعها على نفسياتهم، وهنا تكمن مشكلة العنف النفسي، فهذه الشتائم أو الإساءات اللفظية قد تتراكم مع الوقت وتتعاظم، فتسبب للأطفال في أعباء معنوية جسيمة، ثم ينتهي بهم الأمر إلى العزلة والاكتئاب أو الإقدام على الانتحار.

القوانين ما زالت عاجزة عن توفير الحماية اللازمة للأطفال من العنف النفسي الذي ما زال يمارس ضدهم على نطاق واسع

وأشار الدكتور جمال شفيق أحمد رئيس استشاري العلاج النفسي للأطفال والمراهقين في جامعة عين شمس إلى أن الكثير من الأطفال في فترة الطفولة يواجهون صعوبة في نطق الحروف والكلمات، فيتعمد الأهل إلى السخرية من هذا الأمر، من دون أن يعي الطفل السبب الذي يسخر منه أحد أبويه او يضحك بسببه، لكن بمرور الوقت يبدأ الطفل في فهم من حوله حتى لو لم يظهر ذلك، وقد يكتم غيظه من السخرية منه، لكن على المدى الطويل تنشأ بداخله عقد نفسية من دون أن ينتبه أهله إلى أنهم السبب في هذه المشاكل.

ويمكن للمدرسين أن يتتسببوا أيضا في المشكلة نفسها، فقد يوجد على سبيل المثال داخل الفصل تلاميذ متفوقون في مواد معينة ولكنهم ضعيفين في مواد أخرى، ومن المفروض على المدرسين أن يشجعوهم على المزيد من التقدم في المواد المتفوقين فيها، ويحفزونهم على الاجتهاد في المواد التي لا يُجيدونها، لكن معظم المدرسين لا يفعلون ذلك، بل يلجأون إلى التعنيف اللفظي للتلميذ ونعته بألفاظ ساخرة ومحبطة للعزيمة مثل تعبير “يا حمار” أو “يا غبي” وغيرها من المصطلحات السلبية، التي ترسخ في أذهان التلاميذ وتحط من عزيمتهم وتجعلهم ينفرون من الدراسة، وقد تتحكم في خياراتهم في الحياة حتى من دون أن يدركوا ذلك.

ولاحظ الخبراء أن البعض من المدرسين يتعمدون في أحيان كثيرة مقارنة تلميذ ضعيف بزميل له متفوق، وهذه من أفدح الأخطاء التي قد يقعون فيها، لأنها قد تدفع التلميذ إلى كراهية من يقارن به، وتجعله يشعر بالعجز والفشل، وقد تطارده هذه الذكريات السيئة عند الكبر.

العقاب النفسي للطفل

الاعتداءات اللفظية تخلف اضطرابات ليس من السهل علاجها
الاعتداءات اللفظية تخلف اضطرابات ليس من السهل علاجها

ورجح المعلم الأميركي جون كالدويل هولت في كتابه الشهير “كيف يفشل الأطفال” أن التلاميذ يخفقون أكاديميا بسبب استراتيجيات التدريس التقليدية والبيئة المدرسية المملة والمنفصلة عن الواقع.

ويرى هولت أن داخل المدارس يشيع جو من الخوف، خوف من الفشل وخوف من الذل وخوف من الرفض، وجملة هذه المخاوف تعيق النمو الفكري للتلميذ.

وشدد على أن الأشياء التي يتم تدريسها في المدارس غالبا ما تتعارض مع ما تعلمه الطفل من والديه أو من أفراد أسرته، وعلاوة على ذلك فهو يُعامل بطريقة مختلفة عن معاملة والديه، ففي أسرته قد يتعلم مثلا أن الفضول شيء إيجابي ويستحق الثناء، ولكنه قد يواجه بالسخرية والاحتقار من قبل المعلمين وزملائه على حد السواء إذا طرح سؤالا لم يرق لهم.

ولاحظ هولت من خلال أبحاثه المتعددة أن معظم التلاميذ قبل سن العاشرة يتوقفون عن طرح الأسئلة بسبب خوفهم من السخرية ومن التقييمات التي ليست في محلها في أغلب الأحيان.

وحذرت أبحاث علمية كثيرة من السخرية، وما يمكن أن تتركه من آثار عميقة ودائمة على نفسية الطفل وعلاقته الأسرية والاجتماعية.

ونظرا إلى أن الطفل يمضي في المدرسة وقتا أطول من الحيز الزمني الذي يقضيه بين أسرته، فإن مهمة المدرس، لم تعد تقتصر على تعليمه أبجديات الكتابة والقراءة فحسب، بل من المهم أيضا أن يعلمه السلوك الجيد والانضباط والشعور بالمسؤولية والاستقلالية وما إلى ذلك من المهارات الاجتماعية، بهدوء ورصانة، وهذه أفضل وسيلة لتقويم سلوك الطفل وتهذيبه، أما جميع طرق العقاب النفسي والجسدي فلن تجدي نفعا، بل على الأرجح أنها ستدمر صحة الأطفال النفسية، وهو ما تراه المستشارة النفسية السعودية نوف شفلوت.

وأكدت شفلوت في حديثها لـ”العرب” أن المعاملة السيئة والاعتداءات اللفظية والإهانات والسخرية، يمكن أن تخلف للطفل صدمات نفسية مثل القلق والاكتئاب المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة، وهذه الاضطرابات ليس من السهل علاجها وإعادة التأهيل النفسي لكل من تعرض لها.

وشددت شفلوت على أن التعامل العدواني مع الطفل محرم شرعا ومنبوذ عرفا ويجب تكاتف الجهود لوضع حد له، لكن رغم أن معظم الدول العربية قد سنت في السنوات الأخيرة قوانين تجرم مختلف أشكال العنف ضد الطفل، إلا أن هذه القوانين ما زالت عاجزة عن توفير الحماية اللازمة للأطفال من العنف النفسي الذي ما زال يمارس ضدهم على نطاق واسع.

21