الأوضاع تنفجر مرة أخرى في طرابلس

يبدو أن الوضع الأمني في ليبيا يسير نحو المزيد من التعقيد رغم تقهقر داعش في سرت والنجاحات العسكرية للجيش الليبي في بنغازي، حيث انفجرت سيارتان ملغومتان في قلب العاصمة طرابلس، قرب مقر وزارة الخارجية التابعة لحكومة الوفاق.
الجمعة 2016/09/09
توقيت ومكان التفجير يفتحان باب التكهنات على مصراعيه

تونس - لم يكن وقع عودة المُفخخات إلى العاصمة الليبية طرابلس عاديا، رغم أن هذه العودة تبدو عادية للمتابعين لتطور الأحداث السياسية والأمنية والعسكرية الميدانية في ليبيا، ولا سيما في هذه الفترة التي أصبحت فيها التفجيرات والهجمات الإرهابية أمرا عاديا.

ومع ذلك، فقد فتح التفجيران اللذان هزا صباح الخميس طرابلس باب التكهنات على مصراعيه، وسط خشية متصاعدة من أن يكونا جزءا من مسلسل تفجيرات قد تتواصل حلقاته بسبب الخلافات السياسية بين الفرقاء الليبيين.

وأعلن عصام النعاس الناطق باسم الإدارة العامة للأمن المركزي بطرابلس، أن سيارتين مفخختين انفجرتا وسط العاصمة طرابلس في توقيت متزامن تقريبا، حيث انفجرت الأولى خلف مبنى وزارة الخارجية، في منطقة “زاوية الدهماني”، بينما انفجرت الثانية، تحت جسر طريق الشط، قرب قاعدة أبوستة البحرية التي كانت أول مقر لرئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج وفريقه الحكومي.

واعتبر النعاس أنه “لا مكان للمصادفة في العمليتين، خاصة أن الفارق الزمني بين التفجيرين لا يتعدى العشر دقائق”، فيما سارع موسى الكوني عضو المجلس الرئاسي الليبي، إلى إدانة التفجيرين والتأكيد على أن مثل هذه العمليات الإرهابية التي وصفها بـ”الرخيصة” هي محاولة يائسة لنشر الذعر في صفوف المواطنين.

ووجه الكوني أصابع الاتهام إلى تنظيم داعش بالوقوف وراء هذا العمل الإرهابي، قائلا في تغريدة له على تويتر، إن هذه العمليات الإرهابية تأتي “بعد الهزائم التي عصفت بتنظيم داعش في ليبيا… ولن تزيدنا إلا عزما على اقتلاع داعش من جذوره”.

ولم يُعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجيرين اللذين لم يُسفرا عن سقوط ضحايا بشرية أو أضرار مادية، ومع ذلك لم يتردد المحلل السياسي الليبي عزالدين عقيل في القول لـ”العرب”، إن “التفجيرين يحملان بصمة تنظيم داعش”.

عز الدين عقيل: التفجيران يحملان بصمة داعش، وهو رد انتقامي على ما يجري في سرت

ووصف هذا العمل الإرهابي بأنه “رد انتقامي على ما جرى ويجري حاليا في مدينة سرت الساحلية”، وذلك في إشارة إلى الحرب المفتوحة على داعش ضمن إطار عملية “البنيان المرصوص” التي تُنفذها قوات موالية لحكومة السراج، وبدعم جوي أميركي.

واعتبر في تصريحه لـ”العرب”، أن التفجيرين يحملان رسالة واضحة إلى حكومة فايز السراج يتعين عليها تفكيك أبعادها ودلالاتها، لا سيما وأنها ترتقي إلى درجة التحدي الواضح للمجلس الرئاسي الذي يجد نفسه أمام امتحان توفير الأمن للمواطنين في هذه الفترة التي وصفها بالخطيرة جدا.

وفيما تكاد أغلب التقديرات تميل إلى اتهام تنظيم الدولة بالوقوف وراء التفجيرين، اختلفت القراءات وتباينت حول دلالات هذا الاستهداف بالنظر إلى توقيته ومكانه، والرسالة التي يسعى التنظيم إلى إيصالها من ورائه.

فمن حيث التوقيت، جاء هذا العمل الإرهابي بعد يومين من انتهاء جولة الحوار الليبي- الليبي التي عُقدت بتونس، برعاية الأمم المتحدة ممثلة برئيس بعثتها إلى ليبيا مارتن كوبلر، وبحضور رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج وعدد من فريقه الحكومي.

وانتهت تلك الجولة من حيث بدأت، حيث تواصلت الخلافات بين الفرقاء الليبيين وسط انقسام حاد عكسته المواقف المتشنجة التي سادت جلسات الحوار، حتى كادت تُحول قاعة الاجتماعات إلى حلبة ملاكمة.

وألقت تلك الخلافات بظلال سلبية ليس فقط على سير المحاولات الجارية للقفز على العراقيل التي تحول دون تشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة البرلمان الليبي، وبالتالي تجاوز معضلة الشرعية التي تواجه حكومة السراج، وإنما على المشهد الليبي العام الذي مازال يثير القلق لدى الليبيين، وفي عدد من دول الجوار التي لا تخفي خشيتها من تداعيات التدهور الأمني في ليبيا على أمنها واستقرارها. أما من حيث المكان، فإن استهداف وزارة الخارجية، وكذلك أيضا محيط القاعدة البحرية العسكرية “أبوستة”، برمزيتها السياسية باعتبارها المقر الأول الذي اختاره السراج للإقامة في بداية عودته إلى ليبيا، لا يقبل أي تأويل، لأنه رسالة مضمونة الوصول إلى حكومة الوفاق الوطني. وتستهدف هذه الرسالة تعميق المأزق الذي تمر به حكومة الوفاق التي يرى البعض من الليبيين أنها أصبحت “على شفا الانهيار وباتت أيامها معدودة”، رغم الدعم الإقليمي والدولي الذي تحظى به.

وترى غالبية الأوسط السياسية الليبية، وكذلك أيضا العديد من المراقبين، أن مستقبل بقاء هذه الحكومة، أصبح محل شك ما لم تتمكن خلال الفترة القليلة القادمة من تجاوز فشلها ليس فقط السياسي والأمني والاقتصادي، وإنما أيضا على صعيد توفير الخدمات والحاجيات الأساسية للمواطن الذي بات يعاني من انقطاع الكهرباء والماء، وشح السيولة، وغلاء الأسعار الذي جعل مقدرته الشرائية تتراجع بشكل لافت.

وعلى وقع هذه التطورات، يذهب مراقبون إلى القول إن هذا الاختيار الدقيق لمكان وتوقيت تنفيذ التفجيرين المذكورين، ليس صدفة، وإنما يأتي في سياق له أبعاد تكتيكية وأخرى استراتيجية قد تتسبب في قلب المعادلة السياسية والأمنية والعسكرية الراهنة رأسا على عقب.

ولا يستبعدون في هذا السياق، أن يكون هذا التفجير المزدوج الذي شهدته العاصمة طرابلس، مقدمة لمسلسل مرشح على ما يبدو لأن تطول حلقاته بهدف إذكاء التوتر الحالي، وهو مسلسل سيدفع الليبيون ثمنه غاليا في ظل الانقسام السياسي.

4