الأوطان الغالبة وتلك المغلوبة

لماذا يأتي الدم دوما في الحروب العبثية من الأحياء الشعبية الفقيرة مذ ولدت الدولة وكأنه قدر الأوطان وامتياز الحروب التي توالدت التي لا تأخذ نذورها إلا منها.
الخميس 2018/05/03
هل ينسى الناس فلذات أكبادهم ووجوه أحبتهم وهي تغادر الدنيا باكرا

لا أحد يوقفك عن البوح لنفسك والناس عما آلت إليه الأمور في وطنك، المدمى بالذكريات التي حفرت أخاديدها في وجوه المدن.

لا أحد يتمكن من أن يوقف ذكرياتك عن تلك الأيام التي كان الوطن فيها مفخرة الدنيا، وعنوانا كبيرا في سلم الأوطان التي تصنع كل يوم مأثرة، وأنت تجول في شوارع العاصمة التي طرزت بالرصاص وحفرت أوجهها بالذكريات الحزينة.

مازالت بغداد تنفض غبار الحرب عن حيطانها، التي استحالت خرائط بأوشام من رصاص، مازالت تلملم جراحاتها تتمثل العابثين بدعتها الساعين لتدمير عمارتها التي شاخت وباتت تُذكر بأيام المغول الذين أسرفوا في قتلها وحرق مكتباتها وتدمير متاحفها، محاولين وقف نبضها، بكل ما أوتوا من قوة وهم لا يسمعون غير هيهات أن تتوقف عن تدفق نبضها الذي ظل يعلو على صوت الرصاص ويقارع الموت والخراب ويسبح عبر أنهر الدم التي سالت واصطبغت فيها المدينة بلافتات وصور الشهداء القتلى التي تمركزت في الأحياء الأكثر شعبية.

 لماذا يأتي الدم دوما في الحروب العبثية من الأحياء الشعبية الفقيرة مذ ولدت الدولة وكأنه قدر الأوطان وامتياز الحروب التي توالدت التي لا تأخذ نذورها إلا منها.

وإن تعافت المدينة وامتلأت بمظاهر زائفة للفرح الذي هو كالصراخ، وأنيرت الشوارع بالزينة والإضاءة الملونة، لكنك حين تتفرس في وجوه الناس تتلمس كم هي الأحزان غائرة في جوف أرواحهم، هم جميعا يكرهون ثلاثة: الطائفية، وأمراء الفساد والازدحام، لكنهم يتعاملون مع هذا الثالوث كل لحظة من حياتهم وكأنه قدرهم ولا مناص من المرور في طرقاته، المتعبة والتي تحول دون فرحهم.

ولبغداد حكايات يرويها كل حين مرافقي الشاهد الحي الذي يؤكد لي كل ساعة ونحن نجوب الشوارع وندلف الطرقات أن لكل حارة فيها رواية من ذاكرة الحرب الأهلية، ومجلدا من ذكريات الخمسة عشر عاما الماضية.

لا أنفي بأن الناس يتمنون نسيانها، وشطبها من تلافيف أمخاخهم لأنها بشعة وبفعل فاعل خارجي فرض عليهم القتل والموت المجاني وقد حدثت في ليل طويل أخذوا يستفيقون منه ولا يحتاجون مفسر أحلامك ليقصوا رؤياهم عليه.

هل تنسى المدن أحزانها وجوه قتلتها صور بشاعة الجثث الملقاة في الطرقات لأبرياء لم يرتكبوا غير فعل المرور في مدينتهم، هل ينسى الناس فلذات أكبادهم ووجوه أحبتهم وهي تغادر الدنيا باكرا دون أن تفعل شيئا غير أنها ولدت في زمن الفتنة؟

لعله منجز آخر من منجزات شعب يفخر بأنه يرقص عند أكتاف الموت، ويطحن برحاه الطائفين ويتمثلهم خارجا.

24