الأوقات العصيبة.. أحداث غير متوقعة تغير حياة الإنسان وتعرقلها

هناك أوقات، قد تبدو فيها أحداث حياتنا وكأنها تتدفق بسلاسة كماء رقراق في بحيرة ساكنة؛ كل شيء يكون على ما يرام في المنزل والعمل، العلاقات الاجتماعية، وحتى على مستوى الصحة الجسدية والنفسية، وفجأة يحدث طارئ ما، يعكر صفو المياه الساكنة، وكأنه موجة نافرة أو نذر من عاصفة كانت تخبئ نفسها في أعماق المياه وتنتظر اللحظة المناسبة، لتزرع الفوضى وتقلب الأمور رأسا على عقب، فتثير الغبار، وتحطم، وربما تدمر لحظات صفونا. هذه هي الأحداث التي تعصف بحياتنا، الأحداث غير المتوقعة، التي لم نضعها في الحسبان، فقط لأننا خدعنا في لحظة ما عندما كانت الأمور جيدة، فلم نحسن الاستعداد لمواجهتها، فقط لأننا لم نسأل أنفسنا ولو مرة واحدة: “ماذا لو؟”.
الأربعاء 2017/11/08
حياة مغايرة تماما عما كانت عليه في السابق

تختلف الأوقات العصيبة في حياة الناس بحسب أهمية الحدث ومدى تأثير وقوعه على مجرى حياتهم بتفاصيلها اليومية ربما؛ وهي أحداث غير متوقعة، بمعنى أن حدوثها ليس منطقيا أو أنه لم يكن مسبوقاً بإشارات أو إنذارات معينة، قد يكون هذا الحدث موت إنسان عزيز، أو فقدان وظيفة بسبب تدهور الأحوال المالية لأصحاب العمل بصورة غير متوقعة، ربما يكون مرضا أو حدوث إعاقة في أحد أعضاء الجسم بسبب حادث أو مرض مفاجئ وقد يكون انفصالا عن الشريك.

هذه مجرد أمثلة شائعة للأحداث التي يمكن أن تغير حياة الإنسان وتعرقلها، الحياة التي ستكون مغايرة تماماً لما كانت عليه في السابق. ببساطة، كل هذا يحدث بسبب غياب التخطيط.

يرى مايكل كاي؛ أستاذ التخطيط المالي السابق في جامعة نيويورك ورئيس شركة استثمارية كبرى في ولاية نيوجيرسي الأميركية، أن أحداث الحياة وتداعياتها تشبه كثيراً التداعيات المالية، الصغيرة منها والكبيرة؛ فحين يخفق الإنسان في السيطرة على موقفه المالي فالخلل يكمن في غياب التخطيط والتوقعات المسبقة، ولهذا نساعده في التغلب على هذه المحنة بالبحث عن الخيارات ووضع الاستراتيجيات لمعالجة الإخفاقات أو لتجنب حدوثها في المستقبل.

ويشير كاي في كتابه “العمل والحياة”؛ والكتاب بمثابة منهاج مالي لبناء ممارسة أكثر نجاحاً في التخطيط، إلى أن العملية تبدو متشابهة في ما يتعلق بأحداث الحياة العامة والانقلابات التي تطرأ على ثوابتنا بصورة مفاجأة، إذ يمكن معالجتها بوضع استراتيجيات بعيدة المدى ووضع قائمة بالخيارات البديلة قدر الإمكان.

من المتوقع أن تؤثر هذه الأحداث الصعبة في قدرة الفرد على الصمود والمضي قدماً لتحقيق أهدافه، لذلك تكمن هنا الحاجة إلى احتياطي من الطاقة الداخلية، وقد يكون شيء من الأمل يساعدنا في تخطي الأوقات العصيبة ويزيل القتامة عن طريقنا، ليصبح سالكاً مرة أخرى. أما احتياطي الطاقة النفسية فيأتي في الغالب من خلال المرونة في التعامل مع الأحداث المفاجئة.

الابتسامة أو اصطناعها من شأنها أن تشعرنا بالفرح وهذا الشعور عندما يصبح حقيقيا يجعلنا ننظر إلى ما حولنا بإيجابية

وتؤكد مارجري تيري؛ مدربة مهنية واختصاصية أميركية في التنمية البشرية، على أن المرونة هي القدرة على استعادة النظرة الإيجابية والحفاظ على المثابرة في مواجهة التحديات والمحن، وأما المرونة ذاتها فهي مثلها مثل السمات الشخصية الأخرى يمكن أن تولد مع الإنسان أو يمكنه أن يكتسبها من خلال بيئته.

في الحالة الأولى، يمكن أن يولد الشخص ولديه استعداد وراثي للمرونة بقدرته على النظر إلى الأشياء من جانبها الإيجابي المشرق.

أما من يمتلك صفة المرونة في شخصيته من خلال اكتسابها بتراكم خبراته في الحياة، فإنه يدرك جيداً بأن “الضربة التي لا تكسرك يمكنها أن تقويك”، كما يقول المثل، وحينها قد يدرك بعض الناس أهمية أن تستمر الحياة مهما بلغت قسوة التحديات ومهما تكررت.

إضافة إلى ذلك، يميل أفراد المجتمع في العموم إلى تقبل الشخص الإيجابي الذي يتصرف وفق هذا السلوك ويمتلك من الطاقة الإيجابية بطريقة يمكنه أن يعكسها على الآخرين، ومن المرجح أن تتاح له فرص جديدة أكثر من غيره بسبب قدرته على التكيف مع المتغيرات، وهو بهذا يكون قد استثمر في الفشل أو الخسارة بشكل جيد، وعركته التجربة القاسية بالشكل الذي يضمن له بداية جديدة.

من جانبه، يؤكد مايكل كاي أن المرونة يمكننا أن نكتسبها بالمران وأفضل الطرق لبناء شخصية إيجابية مرنة، هو الإيمان بالقدرة على فعل ذلك؛ القدرة على تخطي المصاعب والتكيف مع الواقع، ثم تجاوز الفشل، أما الإيمان فيعني أحياناً اصطناع سلوك قد يكون مدخلاً أو بداية لتطور إيجابي؛ فالابتسامة مثلاً أو اصطناعها من شأنها أن تشعرنا بالفرح وهذا الشعور عندما يتطور ويصبح حقيقياً فقد يجعلنا ننظر إلى ما حولنا بإيجابية ورغبة في تغيير واقع لا نحبه، ومن هنا تبدأ المرونة.

أما التكتيك الثاني، كما يسميه كاي، فيعتمد على النظر إلى التجربة أو الموقف الصعب من منظور مغاير أو زاوية مختلفة؛ مثلاً تصور موقف قاس واجهه الفرد في طفولته وكيفية تعامله معه، فالعودة إلى تجارب الطفولة قد تحفز فينا الطاقة الذاتية، والإبداع الذي كان يميز هذه المرحلة من شأنه أن يعزز أيضاً شعورنا بالأمل ويمدنا بالصلابة التي نحتاجها لمواجهة موقف حالي.

في حين، يكمن التكتيك الثالث في استخدام الطاقة الذاتية وعدم الاتكال على الآخرين لتخطي الصعوبات؛ أي أن نواجه أنفسنا بأفضل الطرق للتعامل معها كما لو كنا نعيش لوحدنا في هذا العالم، وهي الطريقة الأكثر نجاحاً في إمكانية تغيير الواقع الذي نرفضه بآخر أكثر إيجابية، فالأوان لم يفت بعد لوضع الخطط للتعامل مع الإخفاقات حتى بعد أن تكون قد تعقدت الأمور بشكل يبدو أن لا رجعة فيه.

21