الأوقاف المصرية تخوض معركة لخلق جيل وسطي محصن من التطرف

تزايد منسوب العمليات الإرهابية في مصر تضافر مع دعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في يناير 2015 إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني وتحميله الأزهر والمؤسسات الدينية مسؤولية تصحيح الأفكار والمفاهيم التي ليست من ثوابت الدين. هذه العوامل المتضافرة سلطت الأنظار أساسا إلى مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف باعتبارهما المؤسستين اللتين تضطلعان بمهمة ضبط الخطاب الديني وترشيده. وأكد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري في لقاء مع العرب أن الوزارة ماضية في رسم استراتيجية فكرية ودينية تقوم على تأهيل الأئمة والدعاة، والغاية بناء جيل من الشباب محصن ضد كل دعوات التطرف والتشدد الدينية.
الخميس 2017/11/09
إيقاف الانفلات في الخطاب الديني

القاهرة - البرنامج الذي وضعته وزارة الأوقاف لتأهيل الفاعلين الدينيين في مصر يأخذ اتجاهات عديدة ومتوازية، ومنها أنها بدأت بشن حرب على عدد من أئمة المساجد المتشددين وكذلك على بعض المعاهد الدينية التي استغلها إسلاميون لسنوات طويلة كمراكز للترويج لأفكارهم وتجنيد المئات من الشباب ليكونوا نواة للانضمام إلى تنظيمات إرهابية.

وأوضح وزير الأوقاف محمد مختار جمعة في حواره مع “العرب” أن وزارته تركز معركتها حاليا على الأئمة والمراكز لتجفيف منابع الإرهاب.

ورغم جهود وزارة الأوقاف لتجديد الخطاب الديني ومحاصرة الفكر المتطرف، إلا أن مختار جمعة يدرك أن السيطرة على المساجد مازالت منقوصة، وبحاجة إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات لمنع تسلل الأفكار المتطرفة ووقف ترويجها، وهو ما دفعه إلى اتخاذ خطوات جديدة للتعامل مع الجهات الأكاديمية التي تمنح شهادات علمية تؤهل للخطابة داخل المسجد.

عمل وزير الأوقاف مؤخرا على فرض رقابة صارمة على الأئمة والمراكز الإسلامية، وعدم السماح باختراقها من قبل الجماعات الإسلامية، وحصر جميع المراكز التابعة لجمعيات أهلية وتعمل في الخفاء بعد إصدار قرارات بإغلاقها.

وأشار مختار جمعة إلى أن مواجهة التسيب والإهمال والتقصير لا تقل عن مواجهة التشدد والغلو والتطرف “لأننا نريد جيلا يتمتع بالوسطية والاعتدال، دون إفراط أو تفريط، ولا بد من مواجهة كل صور الانحراف الأخلاقي والفكري والسلوكي، وأن نرسخ لدى الشباب منهج الإسلام في بناء الفرد النافع للمجتمع”.

وأضاف جمعة أن علاج هذه الظواهر يتمثل في توعية المجتمع بخطر التطرف الفكري، وتوضيح أضراره في الحاضر والمستقبل، سواء أكان ذلك إفراطا أم تفريطا، غلوا أم تقصيرا، ولا يكون ذلك إلا بأخذ العلم من منابعه الصافية وعلمائه المتخصصين.

وذكر بأنه فور توليه مسؤولية الوزارة منذ خمس سنوات، قام بمنع غير الأزهريين من صعود المنابر، لأن التخصص ودارسة العلوم الشرعية أساس العمل بالدعوة، ومثل هذا القرار البداية الحقيقية لتجفيف منابع التشدد، لأن تصدي غير الأزهريين للخطابة أحدث حالة من الفوضى في المشهد الدعوي.

لم تتوقف الوزارة عند ذلك الحد بل ألزمت مديريات الأوقاف على مستوى الجمهورية بضرورة عمل اختبارات للخطباء الذين يعملون بنظام المكافأة، للتأكد من مستوياتهم العلمية، واعتبر جمعة ذلك من الشروط الأساسية للترقي، وزيادة المقابل المالي، وهو ما اعتبره الأئمة إهانة لهم.

وأثارت قرارات الأوقاف غضب أئمة كثيرين بعد أن رآها البعض مجحفة في حق رجال الأزهر. وتظاهر المئات من أئمة وزارة الأوقاف وخطباء مؤخرا بالجامع الأزهر، وطالبوا بإقالة مختار جمعة واعتذاره علنا عن طلب عقد اختبارات لهم، لما وصفوه بـ“الإهانة”.

رغم جهود وزارة الأوقاف لتجديد الخطاب الديني ومحاصرة الفكر المتطرف، إلا أن السيطرة على المساجد مازالت منقوصة

كانت المساجد قبل ثورة 30 يونيو 2013 تستخدم في الدعاية الانتخابية لصالح بعض التيارات الدينية، من الإخوان والسلفيين وأنصار الجماعة الإسلامية، وكانت الانتماءات السياسية لبعض الخطباء تمثل خطرا على المشهد الدعوي، وكان لا بد من منع غير المتخصصين من صعود المنابر، ووقف أي إمام يستخدم المنبر لأغراض سياسية أو حزبية.

وبهدف سد العجز في عدد الأئمة والدعاة، قامت وزارة الأوقاف المصرية بفتح المجال واسعا أمام خريجي الأزهر للعمل خطباء بالمكافأة، لمنع تسلل غيرهم إلى المنابر، ولعدم التوظيف السياسي لخطب الجمعة والدروس الدينية. الأمر نفسه تم تنفيذه على مكاتب تحفيظ القرآن الكريم، وتم عمل اختبارات للمحفظين، والتأكد من الالتزام بالمنهج الوسطي، وأن يكون المحفظ لا ينتمي لأي تيار سياسي.

وقال مختار جمعة لـ“العرب” إن “الإمام الضعيف عبء على البلاد وعلى الأوقاف، ونحن نريد الإمام المجتهد، ولدينا برنامج نسعى لتطبيقه، معروف بـ“الإمام المجدد” ويضم نخبة من المتميزين الذين سيكون لهم دور في الابتعاث للخارج”.

وأوضح أن الوزارة وضعت ضوابط لتصاريح الخطابة، وصممت اختبارات شديدة الدقة للتأكد من الالتزام بالوسطية والاعتدال، وعدم الانتماء لأي تيارات متشددة، والفيصل هو الالتزام بالموضوع المحدد للخطبة، وعدم التوظيف السياسي للمنابر، وكل من يخالف ذلك يُمنع من الخطابة.

أزمة المراكز الإسلامية

اتخذت وزارة الأوقاف قرارا بمنع الجمعيات الأهلية من فتح مراكز ثقافية إسلامية أو معاهد إعداد دعاة وكانت ضمن الجهات التي يحق لخريجيها ممارسة الخطابة داخل المساجد، واعتبرت أن تلك المراكز تسببت في العودة إلى فوضى الخطاب الديني، وتوظيفه لصالح تيارات معينة.

وقرر وزير الأوقاف أيضا تأجيل الدراسة بالمراكز الإسلامية التي تخضع لإشراف وزارته مباشرة إلى نهاية نوفمبر الجاري للتأكد من عدم وجود أشخاص ينتمون إلى تنظيمات إسلامية متطرفة، ومراجعة كشوف وبيانات الأساتذة والشيوخ القائمين على عملية التدريس فيها.

ومنذ العام 2015 تنبهت وزارة الأوقاف إلى خطورة المراكز التي يتبع أغلبها جمعيات أهلية إسلامية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي بعيدا عن رقابة وزارة الأوقاف، وانتشرت هذه المراكز في العديد من المحافظات المصرية، دون أن يكون هناك إحصاء دقيق لها، ولذلك قرر وزير الأوقاف إلغاء جميع التراخيص السابقة التي حصلت عليها وإغلاقها.

غير أن الكثير منها استمر في العمل، حيث أشارت تقارير أمنية إلى أن بعضها يتم استغلالها لتفريخ أجيال جديدة من الإرهابيين، من خلال تواصل بعض قيادات الإخوان معهم من الذين تربطهم صلات بالجمعيات الأهلية والطلاب الدارسين فيها، وعدم وضع شروط للالتحاق بها.

وهو ما اضطر وزير الأوقاف إلى التوسع في إنشاء المراكز التابعة لوزارته وتزايد عددها من 9 مراكز فقط على مستوى الجمهورية إلى 27 مركزا، وتم وضع شروط للمقبولين فيها، منها أن يكون المتقدم حاصلا على مؤهل عال من إحدى الجامعات المصرية، وألا يزيد السن عند التقدم عن 50 عاما، ويتعهد بالحضور بما لا يقل عن 75 بالمئة من ساعات الدراسة على الأقل، ولا يُمكّن من دخول الامتحان في أي مادة من لم يحقق هذه النسبة.

ضبط المجال الديني يتطلب صون المساجد من التوظيف

خطبة موحدة

وكان وزير الأوقاف أصدر قرارا منذ عام بتوحيد خطب المساجد ووضع مسودة وطريقة واحدة للإلقاء، بالإضافة إلى تحديد الخطباء والأئمة بالمساجد، وهو ما رأى فيه بعض شيوخ الأزهر “تجميدا للخطاب الديني وتسطيحا لأفكاره”، بينما رأت وزارة الأوقاف أن تلك الآلية تمكن من مواجهة التطرف ونشر الفكر المستنير.

وجاءت خطة وزارة الأوقاف لمحاربة التشدد استجابة لدعوة الرئيس عبدالفتّاح السيسي إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني، بعد أن طالب في 8 ديسمبر من العام الماضي، خلال كلمته في احتفالية المولد النبوي الشريف، بتشكيل لجنة من كبار علماء الاجتماع والنفس والأخلاق والدين لإعداد خارطة طريق على مدى 5 سنوات تهدف إلى صياغة الفهم الديني الصحيح لمختلف القضايا الفكريّة على مستوى مصر كلها، وهي المطالبة التي عبرت عن غضب السيسي الضمني مما وصلت إليه الأمور في مجال تجديد الخطاب على أيدي الأزهر.

وأوضح جمعة لـ“العرب” أن توحيد موضوع خطبة الجمعة من جانب وزارة الأوقاف المسؤولة عن الدعوة بالمساجد أمر له الكثير من الإيجابيات، لأنها قضت على أصحاب الخطبة الواحدة، وأجبرت غير المجتهدين على الدراسة والبحث، لأن البعض كان يحفظ خطبة أو أكثر، ويكرر نفس الكلام، من دون أن يكون هناك اجتهاد.

وقال “كان من الضروري توحيد موضوع الخطبة في جميع المساجد، ويقوم كل إمام بمخاطبة رواد المسجد بالأسلوب الذي يناسبهم، لأن مراعاة الواقع تتطلب الاجتهاد والتجديد في موضوع الخطبة، والوزارة تقدم أسبوعيا موضوعا استرشاديا للأئمة والدعاة، للاستفادة منه في الخطبة”.

وتعتمد مبادرة الأوقاف على خطتين؛ إحداهما قصيرة المدى بواقع 54 موضوعا للعام الأول، وأخرى طويلة المدى بواقع 270 موضوعا لمدة خمس سنوات مقبلة، على أن تشمل مواضيع الخطب 13 محورا، هي: الأخلاق، القيم الوطنية، قضايا التطرف والإرهاب، العمل والإنتاج، المعاملات، بناء الأسرة، الشباب، المرأة، دور ذوي الاحتياجات الخاصة في بناء المجتمع، التعليم والتثقيف والتربية، الإيمانيّات، المناسبات الدينية، والقضايا العامة.

بعثات الخارج

شدد وزير الأوقاف المصري في حواره مع “العرب” على أهمية التواصل مع المسلمين في الغرب لتصحيح المفاهيم وبيان سماحة وعظمة الإسلام، مشيرا إلى تجربة وزارة الأوقاف من خلال ترجمة الكتب والمراجع التي يصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إلى أكثر من 13 لغة، وأهم هذه الكتب كتاب “مفاهيم يجب أن تصحح” والذي طبع أكثر من مرة، ويتناول الرد على أكاذيب الجماعات الإرهابية وتفنيدها، وبيان أن هذه الجماعات المضلة تخدع الشباب.

وزارة الأوقاف أصدرت كتاب "ضلالات الإرهابيين وتفنيدها" وتضمن الرد على الأسانيد التي يستخدمها الإرهابيون

وأصدرت الوزارة كتاب “ضلالات الإرهابيين وتفنيدها” الذي تضمن الرد على كل ضلالة يستخدمها الإرهابيون، وتمت ترجمة الكتاب إلى عدة لغات أجنبية، وكتاب “حماية الكنائس في الإسلام”، والذي يوضح سماحة الإسلام، وأنه دين التعايش السلمي وقبول الآخر، وأن تعاليم الشريعة تحرم المساس بدور العبادة.

وأكد جمعة أن تدريب وتأهيل الأئمة والدعاة ضرورة في الوقت الحالي، لأن التدريب والتأهيل من أهم سبل تصحيح المفاهيم والتواصل مع الشباب، ومراعاة الواقع، والعالم لا بد أن يجتهد ويدرك وسائل العصر، لأن الجماعات الإرهابية تصل إلى عقول الشباب بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.

وأشار إلى أن تجربة وزارة الأوقاف في هذا المجال مثمرة من خلال الاستفادة بالأئمة والدعاة الحاصلين على الدكتوراه والماجستير، والدفع بهم إلى المناصب القيادية بالوزارة، ومنحهم الكثير من الفرص في السفر للخارج، كما أن الوزارة تعقد دورات لتأهيل الدعاة وتمنح المتميزين منهم مكافآت مالية سخية، ويكون اجتياز هذه الدورات من أسس الترقي.

ولفت جمعة إلى أن وزارة الأوقاف سوف تعقد مؤتمرها السنوي الدولي في 20 يناير المقبل، وسيكون المؤتمر تحت عنوان “صناعة الإرهاب وحتمية المواجهة وآلياتها”، بمشاركة نخبة من الوزراء ومسؤولي الإفتاء وعلماء دين من دول مختلفة، لأن الإرهاب يشكل خطرا على العالم، ولا بد من تصحيح المفاهيم، والتشديد على أن كل الأديان ترفض الإرهاب والتدمير والتخريب.

وأكد جمعة لـ“العرب” أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وتحول إلى تجارة وصناعة، وأن هذا الخطر الذي يهدد العالم، يتطلب معاقبة كل من يدعمه، كما يتطلب دورا من العلماء والدعاة والإعلام لفضح مخططات المتطرفين وتوعية الشباب وتحصينه ضد الفكر المتشدد لأن الجماعات الإرهابية تخدع الشباب بمصطلحات الخلافة ودار الكفر ودار الإيمان والإسلام، وكل ذلك يتطلب مواجهة صارمة لحماية الشباب.

وأوضح مختار جمعة أن الإسلام لم يضع قالبا محددا لنظام الحكم، لأن الجماعات الإسلامية المتطرفة تخدع الشباب بالكثير من المفاهيم المغلوطة، لكن كل نظام يحقق مصالح الناس وينشر العدل بينهم، ولا يمنع الناس من إقامة شعائرهم الدينية فهو نظام رشيد، بينما تكفر الجماعات الإرهابية الضالة المجتمعات.

13