الأولاد ليسوا مصدر سعادة دائما للأم العاملة

ترتكز معظم التقاليد الشرقية، على أهمية بل وحتمية وجود طفل ذكر أو أكثر في الأسرة حتى أن بعض الأزواج يتخذ من عدم إنجاب زوجته لطفل ذكر والاقتصار على إنجاب مواليد من الإناث، ذريعة للزواج من أخرى وغيرها وكأن الأمر منوط بالمرأة، هذا لأن بعض الرجال -والنساء أيضا- ما زالوا غارقين في منابع الجهل حين يحمّلون المرأة مسؤولية تحديد جنس الجنين، الأمر الذي أثبت عدم صحته جينيا منذ عقود طويلة.
الأربعاء 2015/05/06
الأبناء الذكور يحملون الأم العاملة أكثر من طاقتها

بصرف النظر عن طبيعة النظرة المجتمعية، فإن الواقع ربما يبرهن في اتجاه آخر بأن وجود الأبناء من الذكور في الأسرة، قد لا يكون مصدر سعادة للوالدين وخاصة الأم العاملة بل على العكس من ذلك، حيث ذهبت نتائج دراسة حديثة إلى أن وجود أكثر من ابن ذكر في الأسرة قد يحطم قلب الأم بصورة أو بأخرى سواء أكان يتعلق بالصحة النفسية أو الجسدية. بمعنى أن المرأة العاملة معرضة للإصابة بأمراض القلب القاتلة إذا كانت أما لذكور عدة. ويبدو سبب ذلك غير واضح للعيان، إلا أن الباحثين يرجحون أن الأبناء الذكور أكثر إزعاجا من شقيقاتهن وأكثر إثارة للمشاكل، كما أنهم لا يظهرون أي عون فيما يخص أعمال المنزل الأمر الذي يعرّض الأم إلى ضغوط نفسية وعصبية كثيرة.

وأشارت نتائج البحث الذي أشرفت عليه جامعة تورين الإيطالية، التي رصدت عينة من سيدات عاملات تجاوزت الـ100 ألف سيدة أمهات لطفل واحد على الأقل، إلى أن عمل المرأة ليس له علاقة واضحة بالإصابة بأمراض القلب إلا أن وجود طفل واحد ذكر أو أكثر لدى المرأة العاملة، يزيد من احتمال الإصابة بأمراض القـلب بمـعدل الضعف مقارنة بالسيدات العاملات دون أطفال.

وفي المقابل، فإن الإناث لا يؤثرن سلبا في تراجع صحة الأم حسب نتائج الدراسة ذاتها التي نشرت في مجلة الطب والعلوم الاجتماعية.

وعلل الباحثون هذه النتائج على اعتبار أن الأبناء الذكور يحملّون الأم العاملة أكثر من طاقتها فيما يتعلق بأعمال المنزل، في حين تبدو الإناث أكثر تعاونا في أداء ذلك.

وجود أكثر من ابن ذكر في الأسرة قد يحطم قلب الأم بصورة أو بأخرى سواء أكان يتعلق بالصحة النفسية أو الجسدية

من ناحية أخرى، يتسبب سلوك الأولاد في سن المراهقة في ضغوط نفسية أخرى على الأم، إذ يشير الباحثون إلى أن الجمع بين مسؤوليات العمل خارج المنزل وداخله، يمثل حملا ثقيلا يقع على عاتق الأم خاصة إذا اتسم سلوك أبنائها المراهقين من الذكور بالانحراف أو التمرد.

فضلا عن ذلك، فإن الدراسة التي عاينت أمهات لأسر إيطالية قد أخذت بعين الاعتبار طبيعة تكوين العائلة في هذا البلد، حيث تحمّل الأم مسؤوليات في إدارة الأسرة أكبر بكثير مقارنة بغيرها من الأمهات على مستوى الدول المجاورة والأوروبية منها تحديدا، لذلك قد تأخذ الأبحاث التي ستجري في أماكن أخرى منحى مختلفا لكنه -حسب متخصصين- لن يبتعد كثيرا عن المؤشرات الأساسية.

وتشير الأبحاث السابقة إلى أن تحمّل المسؤولية، بصرف النظر عن القيام بأعمال المنزل المضنية في عطلة نهاية الأسبوع، يحمّل الأم العاملة ما لا طاقة لها به وهذا من شأنه أن يرفع نسبة ضغط الدم وما يعقبه من خطورة التعرض لأمراض القلب.

من جهة أخرى، يرى الدكتور مايكل أنجر، وهو باحث في جامعة دالهاوس الكندية ومؤلف كتاب “ما زلت أحبك” الذي تعرض للعلاقة بين الأهل وأبنائهم، يرى بأن عديد من الأبحاث في مجال العلاقة الشائكة بين الأم وأبنائها تؤكد على أن الوقت الذي تقضيه الأم في العمل لتحسين مدخول أسرتها، من شأنه أن يعزز من أدائهم الدراسي كذلك ثقتهم بأنفسهم أكثر مما تفعله إذا كانت ربة منزل فقط، لكن بشرط وجود أبناء متعاونين سواء أكانوا من الذكور أو الإناث.

الباحثون يشيرون إلى أن الجمع بين مسؤوليات العمل خارج المنزل وداخله، يمثل حملا ثقيلا يقع على عاتق الأم

إلى ذلك، يؤثر الاهتمام الزائد عن الحد بالأبناء خاصة في عمر المدرسة بصورة سلبية في حياتهم، حيث يتسبب الاهتمام المبالغ فيه في تضييق الخناق على حريتهم الشخصية ومستوى تقدمهم الدراسي.

ويعاني غالبية الأهل خاصة الأمهات من شعور دائم بالذنب فيما يتعلق بواجباتهم تجاه أبنائهم، ينطوي أغلبه على أوهام بعيدة عن الواقع عندما يتعلق الأمر بمدى الوقت المتاح لقضائه مع الأبناء أو في تقديم الدعم والمساندة في تفاصيل حياتهم اليومية، ويتساءل أغلب الأهل عما هو مطلوب منهم تحديدا فيما يتعلق بطول الوقت. وفي هذا الإطار، تشير بعض الدراسات إلى أن الآباء في الوقت الحاضر يقضون أوقاتا أطول مع أبنائهم مقارنة بالأجيال السابقة، على الرغم من تعقد الحياة وصعوبة الحصول على لقمة العيش مقارنة بالماضي، إلا أن السؤال المهم هنا هو، هل يتم تقييم الاهتمام بحساب عدد الساعات أم بتقييم ما يحدث في تلك الساعات لمصلحة الأبناء والأهل معا؟

وأثبتت نتائج أبحاث حديثة أن النوعية تتفوق على الكمية في هذا النطاق، فقضاء وقت مفيد وجميل مع الأهل وإن كان قصيرا نسبيا أفضل من قضاء ساعات طويلة مملة تجعل من وجود الأهل أشبه بالرقيب المزعج الذي لا يتوانى عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الطفل دون وعي، فضلا عن ذلك فإن عمل الأم يعزز من دخل الأسرة ويقدم فرصة أكبر للأبناء للحصول على احتياجاتهم الأساسية، فالأبناء يحتاجون إلى الشعور بوجود الأهل واهتمامهم بقدر حاجتهم للثقة الذاتية والاعتماد على النفس.

21