الأول من أبريل وإدمان الكذب

الأحد 2016/04/03

صحيح أن الناس يكذبون على بعضهم ببعض الأكاذيب للتسلية وللطرافة، ويسمّون تاريخ الأول من نيسان بعيد الكذب، كما لو أن للكذب الحق في أن يكون له عيد، لكن موضوع الكذب صار من أخطر المواضيع والمشاكل في حياتنا، لأن هنالك قناعة بالكذب، بل إن نسبة كبيرة من الناس تقر أن الكذب ضرورة من ضروريات الحياة، وقد بيّن الطب النفسي الحديث ارتفاعا خرافيا للكذابين، رغم انتشار التعليم الديني والبرامج التلفزيونية التي تدعو للفضيلة.

ماذا يقول الطب النفسي في شخصية الكذاب ولماذا يكذب الإنسان؟

بيّن الطب النفسي أن الإنسان يكذب لأنه ضعيف أساسا، ولأنه يشعر أن الآخر لن يقبله كما هو، فيضطر لاختلاق صفات وأفعال غير حقيقية كي يُجمّل صورته لدى الآخرين، أو أن البعض يكذب لافتقاد حياته إلى المرح والترفيه، فالإنسان بطبيعته يميل للحياة المسلية والمثيرة، فيلجأ البعض لاصطناع المرح واختلاق أحاديث مجملة كاذبة لتجميل حياته وحياة من حوله.

والبعض يجد في الكذب ضرورة في العمل مثل مهنة العقارات التي تحتاج لبراعة كلامية وكسب ثقة الزبون سواء كان يرغب بالبيع أو بالشراء، فيكون دور الوسيط المبالغة الكاذبة بأسعار العقارات كي يحصل على أعلى نسبة ربح.

وأكبر مشكلة اتفق عليها الأطباء النفسانيون هي خطورة توريث الكذب للأطفال إذ أن الأهل يعتبرون العملية التربوية مجرد سلسلة مواعظ يلقيها الأهل على أولادهم، أما الحقيقة فإن الأطفال يقلّدون سلوك الأهل تماما ويتنفسون أفكارهم ويتمثلون تصرفاتهم، فالأب الذي يعظ ابنه بأن الكذب حرام ورذيلة ثم يطلب منه أن يقول للجار الفلاني إنه ليس في المنزل، رغم وجود الأب في البيت، فهذا سلوك مُسيئ جدا للطفل لأن هذا السلوك المزدوج والمنافق يجعل الأطفال يفقدون احترامهم ومصداقيتهم للأهل وللكبار عموما.

خطورة الكذب من الناحية العصبية والنفسية أنها تجعل الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم لإنتاج الكذب. وأكد الأطباء النفسانيون أن أول خطوة للتخلص من الكذب هي تغيير القناعات، أي أن يقتنع الإنسان في العمق أن يقدم وجهه الحقيقي للناس سواء نال إعجابهم أم لا. وأن يتذوق حلاوة الصدق الذي يُشعر الإنسان بكرامته، فالكذّاب يشعر حين يخلو إلى نفسه بالدونية والصغر وعدم احترام الذات. وللأسف يؤكد علماء النفس أن الكذب يعيش عصره الذهبي، وأهم عامل في الكذب هو انعدام الحريات، فنقص الحريات إن لم يكن غيابها هو أساس الكذب وهذا النقص في الحريات وأهمها حرية التعبير عن المشاعر والأفكار بصدق هو أساس الكذب.

والكذب واجهة للخوف دوما، وفي أعماق كل إنسان كذّاب إنسان خائف، خائف من الناس والحياة والسلطة والأمن، خائف على وجوده لذا يضطر للكذب. فهل يقدر طفل صغير مثلا أن يقول لوالده “لست راغبا في حل واجباتي المدرسية الآن؟”، ألا يكون الجواب في كثير من الأحيان صفعة مدوية على الوجه، وهل يقدر مراهق أن يسأل أهله بحرية عن بعض الأمور الجنسية وأن يبوح لهم بحقيقة أفكاره وسلوكه، ألا يخشى التقريع والعقاب وعقدة الذنب المتوغلة في أرواحنا منذ الولادة.

ترى كم نسبة النساء اللاتي استطعن البوح بعلاقاتهن العاطفية قبل الزواج، لأزواجهن، وألا تمثل عملية إعادة العذرية التي تحقق أرقاما قياسية في عالمنا العربي حقيقية النفاق والكذب في حياتنا، لدرجة أن الصين أنتجت للعالم العربي غشاء بكارة مطاطيا اصطناعيا! والمؤسف أن البعض يبرر هذا الكذب للإصلاح وكي لا تُهدم البيوت وتتصدع الأسر، لكن هل هنالك نوع من الكذب يُطلق عليه كذب للإصلاح! أليس الكذب كذبا ولماذا لا يكون الحل بالوضوح والصراحة وتغيير المفاهيم المتكلّسة منذ عقود وقرون وأن يكون الحل أن يغير الرجل عقليته الرجعية وأن يؤمن بالعمق بأن شريكته في الحياة لها كل الحق أن تعيش تجارب عاطفية وأن تعترف بها لزوجها دون أن تشعر بالمهانة.

ولماذا يقبل الرجل لنفسه ما لا يرضاه لأخته أو زوجته؟ أليست هذه قمة الازدواجية، ألم يعش هو تجارب مع فتيات ونساء؟ فلماذا إذن اختلاق مفهوم خطر هو الكذب للإصلاح. أليس تبرير حالة كذب للإصلاح هو علاج مشوّه للمشكلة تكون نتائجها وخيمة لأن حجر الزاوية في بناء الأسرة هو الصدق، ولأن الكذب لا يجرّ سوى الكذب، فيصير المجتمع كحالة الكل يكذب على الكل والحياة مستمرة.

إذن غياب الحريات هو أساس الكذب، فكم عدد الكتاب والصحافيين في عالمنا العربي بل وربما في العالم يستطيعون أن يجاهروا حقيقة بأفكارهم دون أن يتعرضوا للقتل أو التخوين أو السجن وربما يخرس بعضهم إلى الأبد خوفا من أن تجرّ صراحته ونزاهته عليه الويلات.

أما كذب السياسيين فأمر آخر، إذ يكاد يتطابق مفهوم السياسة مع مفهوم الكذب خاصة هؤلاء الذين يغيرون أقوالهم حسب اتجاه جريان الريح السياسية والمصالح.

إذن الخوف هو بطانة الكذب، ألا يعني أن الحرية بطانة الصدق، وأن لا قيمة لحياة غير صادقة، ولا إنسانية حقيقية للإنسان إن لم يشعر بكرامته وهو يعبّر عن حقيقته مهما كانت سواء أرضت الآخرين أم لم ترضهم.

صحيح أن الأول من أبريل عيد للتسلية والبهجة والمزاح حين نسمّيه عيد الكذب، لكن حريّ بنا أن نتأمل في هذا اليوم كم يشوّه الكذب الحياة وكم يؤثر على أطفالنا الذين يتمثلون أفعالنا ولا يبالون بمجرد مواعظ جافة نعتقد أنها العملية التربوية.

كاتبة من سوريا

21