الأوهام الراسخة

السبت 2016/07/09

كلما سعيت إلى إثارة ظاهرة ما لصيقة بالمثقف ومساحاته المنكمشة، أبحث لها عن سند أو امتدادات في بحوث ميدانية أو مؤشرات، وإذا اقتضى الأمر مسامرة التجارب الإبداعية والثقافية وهي تحكي خلف تراكم الإحباط بشكل ضجر.

وأنا أثير هنا الإشكال الثقافي في المجتمع المغربي خاصة والعالم العربي عامة، وهو إشكال متعدد الوجوه إلى حد يصل إلى تعقيد الفعل على صورة ما، داخل المجتمع والحياة، أقول وأنا أتحدث هنا عن صورة الثقافي الآن وهنا، يمكن التوقف عن الشكل الثقافي الذي يمرر عبر مؤسسات وأنساق. وهو ما يدفع في المقابل إلى طرح الأسئلة الآتية: ما هي صورة هذا الثقافي المقدم؟ لماذا تظل المسافة قائمة كهوات للردم دائما بين الأشكال التعبيرية من مسرح وسينما وأغنية؟ وبين المؤسسات الفاعلة في الشأن الثقافي من وزارة وحزب وجمعية؟ هل هناك حد أدنى كأرضية مشتركة، للعمل قصد تقديم خدمات ملموسة للكتاب، للقراءة، لتعميم العرض الثقافي في جميع شمول الوطن دون مركز ولا هامش.

هذه الأسئلة وأخرى، لا أزعم في هذه الوقفة أني سأحيط بها دفعة واحدة. ولكن أمرر حولها من حين إلى آخر ورقة ما تثير مفصلا معينا، ضمن هذا الإشكال العريض ومعقد التناول، نظرا للتداخل وكثرة الإكراهات البنيوية اللذين يجعلان الثقافي يراوح مكانه على الرغم من النقد وتشخيص الأعطاب. وهذا يدل على أن ما يثار في الأعمدة الثقافية ليس معارف سريعة الاختفاء والموت شبيهة بالتقييمات السياسية التي تلازم الحالات والمواقف الآنية والمتقلبة تبعا لرياح المواسم.

في هذا السياق كان عمود “بضمير المتكلم” للروائي والباحث المغربي محمد الدغمومي ضمن أحد المنابر الصحافية، منارة لتشخيص الكثير من الأعطاب الملازمة لظاهرة الثقافي كسيرورة لصيقة بتفاعلات وتحولات، لصيقة بالمثقف نفسه. وحين جمعها الكاتب في مؤلف ضمن سلسلة “شراع″ المأسوف على موتها، لأنها رفعت شعارا جميلا “من أجل مجتمع مغربي قارئ”، الكتاب جاء بعنوان “أوهام المثقفين: أوهام عديدة”، رصدها الكاتب ضمن تسعينات القرن الماضي، ومازالت قائمة ولها راهنيتها، نظرا لمكانة هذا الثقافي كمكون ساقط من التدبير بأنواعه المختلفة. يقول محمد الدغمومي في نفس الكتاب “…أما ‘المخلوضون’ الذين تجدهم في كل مكان، لا يبحثون عن شيء سوى الشهرة وتلميع الذات، ولا يملكون ما يخصصهم في العلم ولا في الفن، ولا في الصحافة، ولا في التربية والسياسة والقانون والإدارة، ويلعبون في الهامش، لا دور لهم غير دور الهامش”.

المثقف بهذه الصفة، وصفات أخرى مبثوثة في هذا الكتاب كالنفعية الفجة ولعبة المصالح ودخول المؤسسات دون تحرج أو تعرق. كلها صفات تجعل من المثقف إنسانا يبحث بدوره عن الترقي الاجتماعي عبر وسائل تتحول إلى أدراج وقنوات للعبور.

كثيرة هي الكتابات التي تنبني على تشخيص أو ملاحظات ميدانية، وهي بذلك تثير بلا هوادة الجانب المظلم من السلوك والتدبير الثقافي. الشيء الذي يولد حروبا بين الفاعلين ونماذج من المثقفين. وفي المقابل تتفاقم الحالات والوضعيات من الأمية التي تغدو أميات، من الجهل الذي يغدو مركبا من الأسس التقليدية التي تعمل على أكثر من صعيد وبآليات قبلية، هذا فضلا عن جدارات المؤسسات السياسية التي تسعى إلى ترك الثقافي للثقافي، وبالتالي إبعاد المثقفين عن معركة الرأي، كأن نتاجهم مجرد شغب يربك ويقوض البناءات المحشوة بالدوغمائيات والخلفيات المفحمة. المثقف في جميع مناحي العطاء الفكري والإبداعي، كان ضحية سوء فهم ومغالطات، بل وعدم إصغاء له أصلا.

ويغلب ظني هنا أن سند المبدع الآن، والحالة هذه، هو المؤسسة الثقافية التي ينبغي بقوة الإرادة والأفق الاستراتيجي التغلب على الذاتيات المريضة والأفعال المقنعة، وتتحول إلى معبر حقيقي لصوت المبدع والإبداع الخلاق الذاهب برسائله إلى آخر الزلزال. وبالتالي فالعمل في هذا الاتجاه الذي ينتظر الكثير، قصد تقديم خدمات، تعلو على سقف الأوهام التي غدت راسخة كعلم له سلالمه الخاصة وتبريره المتعدد الذي يجدد الخطاب والنبرة مهما تقعرت الأزمة.

كاتب وناقد من المغرب

16