الأيادي القطرية الدافئة بين القاتل والضحية

الاثنين 2014/07/21

أشبه بالإصابة بحالة هياج هذه التي تمر بها قناة الجزيرة، والأسباب معروفة، منها التكهنات ببدء معالجة الخلل في الموقف الخليجي الذي تسببت فيه قطر، بعد انتهاء رمضان. والأمر الآخر هو ما يحدث في غزة من حرب، والانتهازية التي اقتاتت عليها الجزيرة، أعواما طويلة، في استدرار التعاطف الشعبي لغزة ولها، عبر تبني موقف حركة حماس والدفاع عنها. وهو سعي لإعادة بوصلة المشاهد العربي إلى شاشتها الشاحبة بعد أن نفر منها، وتدوير البوصلة إنما يتم على حساب أجساد أطفال غزة، وبمساعدة حثيثة من آلة القتل الإسرائيلية.

والهياج الذي تمر به وسائل الإعلام القطرية واضح في الاتهامات التي تلقى هنا وهناك، والتوتر الطاغي على شريط القناة عبر ترويج أكاذيب وتلفيقها، وصنع مصادر لها ليست صحيحة.

قد يعتب البعض على المسؤولين عن القناة، وفي الواقع لا عتب ولا زعل، فلا يمكنك أن تتوقع من سيكون الخاسر على طاولة الإعلام العربي، بفعل وقوفه مع الفوضى، كيف يتحدث بحكمة وكيف يبث الصدق، وقد ثبت للجميع انحيازه إلى حركات إرهابية، منها جماعة الإخوان، ومساعدة نظامه وقيامه بتمويل هذه العصابات، ودفاعه عنها، مادامت رقبة هذا النظام بيد الجماعة، وبيدها تغيير الحاكم ووضع غيره، بعد أن تمكنت من مفاصل الحكم القطري.

لابد للجميع أن يعرف حقيقة أن معظم القادة والمسؤولين يدينون لهذا التنظيم الإخواني بوصولهم إلى ما وصلوا إليه. وقد تعرّف إخوتنا في بنغازي على ضباط قطريين كانوا أشبه بعناصر تنظيم إخواني، لا مجرد عسكريين.

دعك من الهياج القطري فنهايته براغماتية معروفة، وتفسير تصرفاته يمكن قراءته على شاشة التنظيم الإخواني بوضوح. هناك هياج آخر وتصفية مواقف، ونعني به الهياج الإخواني في السعودية، والدفاع عن مغامرات حماس، واتهام من ينتقدها وكأنه بات صهيونيا، حتى لو لعن المنتقد إسرائيل والصهاينة.

يمكن أن تنالك التهمة فقط لمجرد أنك انتقدت التضحية بالأطفال والنساء حماية لمكتسبات حماس السلطوية، ولمجرد أنك أشرت إلى حقيقة أن الأربعة آلاف صاروخ “حمساوي” لم تقتل سوى إسرائيلي واحد، في وقفة دونكيشوتية في مواجهة آلة إسرائيلية لا تعرف الرحمة. وهاهي الشتائم تنهال عليك وتجري صهينتك.

لم يُصهين إخوان السعودية من استقبل بيريز في عقر داره، وكرّمه وجال به في أسواق مدينته، وأدخله قصوره، وصوره مبتسما بين نسائه.

لم يهن العرض العربي والمقاومة والممانعة والتصدي للصهاينة، خلال جولات وندوات واتفاقات ولقاءات الصهاينة بالمسؤولين القطريين، بل جرت صهينة من قال أوقفوا قتل أهلنا في غزة، وتم تمجيد من وضع يد المودة والصفاء في يد القاتل.

هل رأيتم من هم أكثر عمالة وخسة ودناءة من أعضاء التنظيم الإخواني في السعودية.

هل قابلتكم صفاقة كهذه وتنفّعا وانتهازية تقوم على دماء أطفالنا في غزة، وأباحها حاضرة في انتفاخ الغاز القطري.

قام شباب من دولة الإمارات في إطار وفد للهلال الأحمر الإماراتي، بزيارات متعددة إلى غزة، فضمّدوا الجراح وعالجوا المئات من الجرحى وأقاموا مستشفى ميدانيا، ولم يجدوا كلمة شكر ولا حتى إشارة واحدة إلى ما قاموا به في قناة الإخوان، بل ووجهوا بالأكاذيب تنشر عن بلادهم، وبقرع كؤوس التشفي بهم وبغيرهم من الناهضين العرب إلى نجدة شعبهم.

لا غرابة، إذن، في أن ينتقد الغربيون العقل العربي معيدين سبب التخلف الحضاري إلى طبيعة غريبة في تفسير الأمور، إنه التخلف الذي لا يصنع نجاحا، وارتباط منافع المتدين بالكسب من السياسة، تلكم هي انتهازية الإخواني وغيره من إسلامويين مزجوا التدين بالسياسة ووضعوا العالم بين فسطاطين، كما فعل رفيقهم أسامة بن لادن، فمن لم يكن معهم فهو غير مسلم، وهذا هو ديدن الإخوان في السعودية والكويت وغيرهما، فإن لم تكن مع حماس فأنت مع الصهاينة، ولا خيار ثالث.

والمضحك أنهم كتبوا معلقات يشتمون فيها جورج بوش الابن بعد شعاره «إن لم تكن مع أميركا في حربها ضد الإرهاب، فأنت مع القاعدة والإرهاب».

هم يتنفعّون من الدم الفلسطيني البريء، حتى لكأني بهم يرقصون طربا حين تحدث مجزرة، فقد حصدوا أتباعا جددا تسيرهم العاطفة الدينية، والرغبة في نصرة الضحية، وقد نسي الجميع حكمة قول قرآني مفاده «ولا تلقـوا بأيديكم إلى التهلكة»، وراحوا يتحدثون عن مقاومة صلبة قوية، ثم طفقوا يبكون وينوحون لأن مصر لم تفصّل مبادرة على مقاس حماس، وقد انتهوا إلى أن قطر لا في العير ولا في النفير.

طالبوا بمبادرة قطرية تركية، ويا للسخرية فالمبادرة والوساطة يصنعهما صديق الطرفين المتقاتلين، فهل إن الدولتين الخانعتين للخط الإخواني لديهما «المونة» على «الصديق» الإسرائيلي.

انتقدتم مصر، بينما قطر وتركيا صديقتان حميمتان للقاتل الإسرائيلي، ولو لم تكونا كذلك لما قبلتا لعب دور الوسيط. مصر لديها معاهدة سلام ومواثيق مع إسرائيل، ولكن ماذا بين قطر وإسرائيل من علاقات حتى تتوسط عندها للفلسطينيين، وما الذي يدعو دولة صغيرة لا حدود لها مع إسرائيل، ولا مصالح اضطرارية تلزمها بتوثيق عرى العلاقة مع هذا الكيان، حتى تتوسط بينها وبين طرف آخر؟

والآن هل علم الجميع من هو المتصهين، ومن له الحظوة عند الصهيوني لكي يتوسط بينه وبين الفلسطيني.

ختاما، من يريد أن يعرف التصهين والعلاقة مع الصهاينة فعليه إدارة بوصلته نحو الدوحة، فليس هناك من حجة واضحة وناصعة أكثر من تلك الزيارات والسفارات والمكاتب والندوات والمؤتمرات والابتسامات والأيادي الدافئة، والتجارة والسياحة وغير ذلك، وبخلاف الدوحة، فإن العرب الآخرين، ممن تنهمر عليهم سهام الإمارة الصغيرة المتعملقة، مازالوا ملتزمين بالاتفاق العربي نحو مبادرة السلام، ولا يقيمون علاقات غريبة لا تعود بالنفع على الأمة.

ولمن يبرر العلاقة القطرية الإسرائيلية بأنها لصالح الأمة، وفي الوقت نفسه ينتقد العلاقة المصرية الإسرائيلية، نسأل: هل حملت علاقتكم بتل أبيب للفلسطينيين، شيئا آخر غير المزيد من الدمار والمستوطنات.

أرقصوا وأطربوا، إذن، على دماء الفسلطينيين، وسيستمر الإخفاق الواحد تلو الآخر ما دمتم أنتم الوسطاء بين القاتل والضحية.


كاتب صحفي سعودي

9