الأيادي المرتعشة لا تبني وطنا

الخميس 2014/08/28

أقول بدءا إن جرائم «داعش» الشرق التي استفزت الضمير الإنساني وآخرها التطهير العرقي، والتطهير الديني لأهل العراق في الموصل، ثم المشهد البشع لقتل الصحفي المناضل صديق الشعوب، وشهيد الواجب الصحفي، جيمس فولي، تجعلني أقف مناصرا لأي قوة تريد قطع دابر هذا الوحش الذي خرج من كهوف التاريخ وثقوبه السوداء.

ولأنني مواطن ليبي، فإن كل ذرة في كياني تستنكر وصول هذا الوحش الداعشي متمثلا في “أنصار الشريعة” إلى جزء من بلادي، رافعا راياته السوداء، عنوان الإجرام والتوحش، فوق حواضر مثل درنة، ثم أخيرا استهداف بنغازي، لتكون إمارة إسلامية داعشية.

وأجدني أقف أيضا مؤيدا لأي قوة تستهدف اجتثاث هذا السرطان، سواء جاء من خارج ليبيا أو من داخلها، وطالما وجدت مثل هذه القوة داخل ليبيا، فهي الأوْلى بالمناصرة والتأييد والمؤازرة، حتى تخليص الجسد الليبي من هذا الورم بإذن الله، خاصة وأن الوجه البشع لداعش ليبيا، لم يأت متخفيا أو تحت أي أقنعة، وإنما جاء سافرا واضحا، له أنياب دراكولا التي تقطر بدماء عظماء المناضلين في ليبيا وأشرف رجالها ونسائها أمثال عبدالسلام المسماري ومحمود أبو زيد، وسلوى بوقعيقيص، والنائب العام الأستاذ عبد العزيز الحصادي، وغيرهم من شهداء وصلت أعدادهم بين ضباط الجيش وأهل القضاء والشرطة مئات الضحايا.

وطالما أن هناك قوة ليبية خرجت تتصدى لهم، وتحاول إجراء عملية جراحية لاستئصالهم، تسمى «عملية الكرامة»، فإنني أجده واجبا وطنيا، وواجبا إنسانيا، وواجبا دينيا، على كل ليبي أن يقف مع «عملية الكرامة» في مواجهة هذا السرطان، قبل استفحاله وتمكنه من القضاء على البلاد.

وبهذه المناسبة أقول بأننا استبشرنا خيرا بمولد المجلس النيابي، لأنه جاء تعبيرا عن إرادة الشعب الليبي في رفض الجماعات المؤدلجة،، ليكون الممثل الشرعي الوحيد لهذا الشعب، وهذا التفويض الشعبي الذي لا جدال فيه، هو مصدر قوة هذا المجلس، وهي قوة يجب أن نراه يمارسها، لأنه، للأسف الشديد، لم يمارس صلاحياته، بما يجب من شجاعة وإقدام ومسؤولية.

نعم، لقد أصدر قرارات سليمة وذات طابع وطني بوقف الاقتتال الدائر في طرابلس، ورفع الشرعية عن كل الميليشيات، ودعوة المجتمع الدولي إلى التدخل لإكمال مهمة حماية المدنيين، ولكنه اكتفى بذلك، وكأنه تخلص من واجب ثقيل، دون أن يلاحق هذه القرارات بإجراءات فاعلة تضمن تطبيقها على أرض الواقع، وتعامل مع هذا الجانب بخوف وتردد، بل بنوع من التراجع، فهو بعد أن يصدر القرار يلحقه بتفسير يبطل مفعوله، فقد طلب التدخل ولكنه لا يريد حلا عسكريا، إذن ما هو الحل الذي يكفلُ إنهاء الاقتتال، ويضمن تحقيق مهمة حماية المدنيين.

هنا يأتي الارتعاش والتهاون، ويأتي غياب الحزم والصرامة إزاء تنفيذ القرارات، ولكل ذلك نقول له إن الأيادي المرتعشة لا تقدر على البناء، وطالما هو يتصدى لبناء وطن، فلن يستطيع وضع لبنة واحدة في هذا البناء إذا كان الارتجاف يسيطر على أطرافه إلى حد التراجع في قرار التدخل الدولي العسكري. اذ ما هو هذا البديل السحري للتدخل الذي يوقف الحرب، هل يتوقع أصحاب هذا التفسير الباطل، أن يأتي المجتمع الدولي محملا بريش النعام وعلب الشيكولاتة لفض الاشتباك بين الميليشيات المسلحة وعصابات الإرهاب، وهل ثمة وهن وضعف وارتعاش أكثر من ذلك؟

ما أريد قوله للمجلس النيابي، هو أن تفويض الشعب له، يمنحه قوة قاهرة في مواجهة كل الشراذم التي تحاربه، بما في ذلك هذا المفتي الذي مازال المجلس يتلقى منه الإهانات، ويستمع إلى ما يقوله من فتاوى الفتنة والقتل وهو ساكت لا يمارس سلطته بعزله وإرساله إلى المحاكمة، جزاء ما اقترفت يداه من إيقاظ للفتنة.

وبالنسبة إلى قرار التدخل الدولي، فهو أيضا يتطلبُ عزما وحزما، وبقدر أهل العزم تأتي العزائم كما يقول المتنبي، والمطلوب أن نرى وفدا برئاسة رئيس المجلس يذهب إلى نيويورك حيث مقر الهيئة الأممية وأمينها العام، ليضعه أمام مسؤولياته، بتفعيل القرار 1973 بحماية المدنيين، واستخدام البند السابع الذي يقر استعمال القوة لفرض هذا القرار، وأن يسأل الأمين العام سرعة إرسال قوة خاصة من عساكر حفظ السلام أصحاب القبعات الزرقاء، ولتكن قوة لا تقل عن عشرين ألف عنصر، تتولى الفصل بين القوات المتحاربة في طرابلس، وتنفيذ قرار مجلس النواب بفك هذه الميليشيات واستلام أسلحتها ومقراتها، وجمع كل قطعة سلاح خارج القانون وخارج يد الدولة.

وربما أرجأت الأمم المتحدة التدخل بسبب عدم توفر الميزانية، والحل لذلك هو أن تكون الأموال الليبية المجمدة بأمر منظمة الأمم المتحدة، مصدر تمويـل العمليـة لإنهاء الاحتراب وإعادة الاستقرار إلى ليبيا.

القرار الثاني الذي يحتاج إلى قوة الإرادة في تنفيذه، هو أن نرى قرارا يبطل قرار العار الذي أصدره المؤتمر الوطني الأفغاني تحت قوة السلاح الداعشي الإخواني، وهو قرار العزل السياسي الذي حرم ليبيا من خيرة كفاءاتها وكوادرها، وأبطل فعالية مواردها البشرية. قرار العزل السياسي الذي أراده الإسلاميون وسيلة لإفراغ الساحة، لتكون حصرا على عناصرهم المصابة بالتخلف العقلي، وإعادة الاعتبار للحق والعقل وقد اغتالهما هذا القرار الذي كان جريمة في حق الوطن وحق مستقبله، حيث طال هذا القانون الفاسد مناضلين سياسيين يأتي على رأسهم قائد المعارضة لنظام معمر القذافي، والذي كان على رأس المؤتمر الوطني محمد المقريف، الذي خرج وهو يقول إنه قانون كتب بحبر البنادق على حد تعبيره.

القرار الثالث الذي يجب أن يصدر، حالا، عن المجلس الوطني لإظهار فعاليته في مداهمة معضلات الوطن وقهرها، هو:

الاعتراف بالجيش الوطني الذي يحارب «الدواعش» وإضفاء الشرعية عليه، شرط أن يكون خاضعا لانضباط الجيش الوطني وتراتبيته، وقواعده في الضبط والربط، واعتماده جزءا من القوات المسلحة الليبية، ولتخصص له كل الإمكانيات لأداء واجبه في تطهير البلاد من الإرهاب والإجرام والتطرف، وليكن قائده اللواء خليفة حفتر مساعدا أول لرئيس الأركان، مسؤولا عن هذا الجيش المكلف بمنازلة الدواعش واستئصال شأفتهم من أرض ليبيا، لكي تعود أرض بهاء وتوافق وسلام ونماء وحضارة، بإذن الله.


كاتب ليبي

9