"الأيام الخوالي" مسرحية تطرح لعنة الحنين إلى الماضي

الجمعة 2015/01/16
المسرحية قدمت علاقة ثلاثية تنتهي بالقتل الرمزي

شهدت خشبة مسرح سعدالله ونوّس بدمشق مؤخرا عرض “الأيام الخوالي” عن نص البريطاني هارولد بينتر، وإخراج عمّار محمد ودراماتورجيا إبراهيم جمعة، وتمثيل كل من كامل نجمة ورنا كرم وهلا بدير.

يسير عرض “الأيام الخوالي” في بدايته بإيقاع مشابه لذلك الموجود في النص وحسب التعليمات الإخراجية لبنتر، إذ يروي قصة لمى العائدة من شرم الشيخ لزيارة صديقتها ريم وزوجها ماهر، لتبدأ بعدها الحقيقة بالتكشف رويدا رويدا، ونكتشف في النهاية أن ماهر كان قد تعرّف على لمى من قبل وشاهدها في أحد الأماكن، لتنطلق إثرها طبيعة العلاقة بين الثلاثة بالتكشّف، لينتهي الأمر في النهاية بالقتل الرمزي الذي حدث في الماضي ويتكرر أمامنا الآن.

إن حساسية اختيار هارولد بينتر وعلاقته مع مسرح العبث تستدعي عددا من الملاحظات المرتبطة بالعرض، ففترات الصمت التي يعجّ بها النص ذات علاقة مع بواطن الشخصيات، وبينتر نفسه يشير إليها وإلى أهميتها حين الانتقال إلى العرض، الذي لا تبدو لحظات الصمت فيه متماسكة دائما.

ولابد من الإشارة إلى التخلخل أحيانا في بنائها، ويعود ذلك إلى صعوبة نقل الشخصيات من البيئة البريطانية إلى البيئة السورية، إذ يحتاج الأمر إلى جهود معمقة لتحويل حساسية الشخصية الإنكليزية وتكوينها إلى شخصية سورية ذات حساسية مختلفة وردود أفعال مختلفة.

الصمت يلعب دورا في البناء الدرامي للمسرحية، إذ خلاله يتكشف التفاوت في وجهات النظر بين الأبطال الثلاثة

المسرحية لا تحوي أحداثا درامية، بل تقوم على الحوار الذي تتبادله الشخصيات والذي يستدعي الصراع، ويكشف أنها تعيش في حنين إلى الماضي وأحداثه، وبالتالي يلعب الصمت دورا في البناء الدرامي للعرض، إذ خلاله يتكشف التفاوت في وجهات النظر والاختلاف في رؤية علاقة ريما مع زوجها ماهر وصديقتها لمى.

فالأحداث تسرد على لسان الشخصيات، لكن في كل مرة من وجهة نظر مختلفة ورؤية مغايرة، لتتكرر في النهاية حالة انهيار ماهر التي حدثت منذ عشرين عاما.

يتناول النص الذي كتبه بينتر معضلة الذاكرة، والشخصيات في عرض دمشق الذي أعيدت صياغته تحنّ إلى دمشق-الشام عام 1990، في إشارة إلى حرب الخليج على لسان إحدى الشخصيات. أما الزمن الدرامي، الزمن على الخشبة، فهو عام 2010 على الساحل السوري، لكن ماذا عن دمشق الآن وهنا عام 2015؟

فإعادة إنتاج نص بينتر في دمشق يطرح تساؤلات حول الذاكرة وجدوى استعادتها، إذ هناك إشارات إلى بنية العلاقات الاجتماعية لسكان دمشق، وكذلك حالة الذين يحاولون التغلغل في هذه المدينة عبر تناول الوسط الفني وبعض العاملين به، مع تسليط الضوء على الجوانب الجنسية التي تجمع هذه الشخصيات التي التقت في دمشق.

فماهر يستعيد لقاءه الأول مع لمى وكيف كان يتأمل جسدها، كذلك تعلو نبرة ساخرة في حديثه عن زوجته ريم وعلاقتها مع لمى، مع إيحاءات جنسية لما قد يكون حدث بينهما بوصفهما صديقتين مقربتين.

إعادة إنتاج نص بينتر في دمشق يطرح تساؤلات حول الذاكرة وجدوى استعادتها

بالرغم من اتزان العرض والسعي لإتقان تكوينه، إلاّ أن هناك بعض الملاحظات المرتبطة بلغة العرض، فاختيار اللهجة العامية وتعمد نقل النص إلى بيئة سورية، جعلا لغة الشخصيات أحيانا تبدو كأنها تعتمد على النص المترجم، لا على إعادة تأويل الجمل والكلمات بما يتوافق مع الواقع السوري، وينسحب ذلك على استبدال معالم مدينة لندن بمعالم مدينة دمشق، وهذا لا يكفي لترسيخ صورة متماكسة عن الشخصيات وعلاقتها مع المكان وحساسيتها تجاه الآخر.

فضاء العرض يتبدل مرة واحدة بين الفصلين، لننتقل من غرفة الجلوس إلى غرفة النوم بأثاثهما البسيط، مع إشارات واضحة من الشخصيات إلى الأثاث بوصفه يحمل ذكريات الماضي، فالسرير والكرسي ذو الذراعين غرضان ثابتان يُعاد إحياء الذاكرة عبرهما، مع إشارات إلى السرير الذي يحمل دلالات ترتبط بشكل العلاقة بين الزوجين ريم وماهر.

فهو ينفصل إلى سريرين وتتعد الأشكال التي يمكن أن يأخذها، فما بينهما مشتت وقابل للتفاوت جسديا ونفسيا، أمّا الخارج فمرتبط بالماضي وبالحياة الأخرى التي تعيشها لمى في شرم الشيخ الآن، وبالأخص علاقتها بزوجها البعيد الذي يشير ماهر متهكما إلى ما قد يتعرض له من مغامرات مع نساء أخريات.

17