الأيتام بين قسوة المجتمع وحنان الأسرة

الاثنين 2014/06/02
دور الأيتام من الممكن أن تتحول إلى قوة فاعلة وإضافة للمجتمع

القاهرة - الأمومة ليست جسدا يتفاعل فقط أثناء آلية الإنجاب، بل هي ذات معطاء عند كل إطلالة صبح جديد في حياة أبنائها. لذا لن يسد كائن فراغا تتركه أم مهما حاول البعض إيجاد أم بديلة كخطوة لتعويض احتياجات الطفل.

مهما حاول البعض إيجاد أم بديلة للأطفال إلا أن هذه التجارب الهدف الأساسي منها فقط محاولة تقريب الشبه من الأصل وخلق نوع من أنواع التعويض للطفل اليتيم تلبية لاحتياجاته الاجتماعية والنفسية.

وحول تلك التجارب ومدى نجاحها دار محور تحقيقنا. فيقول الفنان محمد ثروت، رئيس مجلس إدارة مؤسسة ثروت لرعاية الأيتام، مشواري مع الأيتام بدأ عام 1992 عندما كنت أكفل أطفالا في بعض دور الأيتام، ولما علم والدي بهذا الأمر قرر إنشاء دار الأيتام في مدينة طنطا فشاركته في هذا المشروع الخيري، وتعاملنا مع الأيتام تعاملا خاصا، ونحن نمنح الطفل استقلالية ونحترم خصوصيته، فكل طفل لديه مستلزمات الإعاشة، سرير ودولاب ومكتب داخل غرفته وكذلك نلحقهم بالمدارس الحكومية العادية حتى لا يشعر الطفل اليتيم أنه منعزل عن مجتمعه.

وأضاف: نحرص دائما على أن يكون وقت الأطفال مليء بالأنشطة اليومية، فلا نتركه للفراغ أو الوحدة، ولدينا أيضا نشاط ثقافي وفني وفريق كورال، إضافة إلى الرحلات والمصروفات، مشيرا إلى أن هناك بعض التبرعات تجيء من قبل البعض، باستضافة الأطفال لفترات غير طويلة كما أنشأنا دارا لحفظ القرآن الكريم لأن حفظ القرآن في المراحل المبكرة من العمر ينمي قدرات الأطفال الذهنية والعقلية.

ويشير إلى أن نقطة ضعف مؤسسات رعاية الأيتام هي المشرفون، لأنهم يفتقدون للتدريب الجيد. فيفرضون شخصيتهم على الأطفال، ولذا فإنني أدعو إلى إنشاء معهد لتأهيل المشرفين على دور رعاية الأيتام، ولأنني أعتقد أن تلك الدور من الممكن أن تتحول إلى قوة فاعلة وإضافة للمجتمع لأن الكثير من العلماء العباقرة والمبدعين كانت لهم نفس الظروف، ولم تكن هذه الظروف عائقا أو حائلا أمامهم ليتميزوا في مجتمعاتهم.

الكثير من العلماء العباقرة والمبدعين كانت لهم نفس الظروف ولم تكن هذه الظروف عائقا أو حائلا أمامهم ليتميزوا في مجتمعاتهم

وتؤكد سيدة محمد، مديرة دار الأيتام، على أن الأطفال الأيتام في الدار هم الذين فقدوا الأب والأم والأسرة، ولهذا فنحن نوفر الأم البديلة لهم ووظيفتها هي رعاية وتربية الأطفال فقط، وبينما هناك آخرون يؤدون أعمال المطبخ والتنظيف حتى نتيح الفرصة لتقوم الأم البديلة بالرعاية الكاملة للطفل وحرصا على شعور الأطفال، فقد وفرنا لهم شققا بدلا من العنابر لعدم الشعور بحياة الملاجئ وقسوتها.

فالطفل يعيش مع أخوته في الشقة تماما مثل أي طفل عادي، ولأن الأم البديلة تقضي معظم وقتها مع الأطفال، فقد حرصنا على أن تكون الأمهات من خريجات الجامعة، لتتمكن من متابعة دروس الأطفال والتعامل مع الحاسب الآلي، حتى يستطيع الطفل أن يواكب التطور التكنولوجي الحديث، ولكن المشكلة التي تواجهنا هي أن تلك الأم قد تتغير من فترة إلى أخرى، وهذا يؤثر على نفسية الطفل بالإضافة إلى أن من تمارس هذه المهنة تمارسها كوظيفة مما يولد شعورا لدى الطفل بأنها أم مدفوعة الأجر.

وتشير سيدة محمد إلى أن هذا الأمر هو الذي دفعهم إلى ابتكار فكرة الأخ الأكبر والأخت الكبرى وهم شباب متطوعون يقدمون خدمات مجانية للأطفال لفترة طويلة حتى ينجذب إليهم الطفل، ثم يقرر فيما بعد أن له أخ أكبر أو أخت كبرى، ليتابع الطفل فيما بعد من خلال زيارته وتستمر هذه الزيارة مدة أربعة شهور على الأقل.

الأم البديلة تمارس هذه المهنة كوظيفة وهو ما يولّد شعورا لدى الطفل بأنها أم مدفوعة الأجر

وأضافت، من ناحيتنا نقيم هذه الزيارات حتى يثبت المتطوع كفاءته في التعامل مع الأطفال، ويوجد لكل طفل أكثر من أخ أو أخت كبرى، وبعد فترة الاختبار يكون للأخ الأكبر الحق في الخروج مع الطفل خارج الدار، ويتم تقييم المتطوع من قبل الدار والأخوات الأقدم، كما يعقد فيما بعد اجتماع لكل الأخوة والأخوات القدامى والجدد مع مسؤولة النشاط بالدار لمناقشة مشاكل الطفل والعمل على حلها، وتوضح أنه من أهم الشروط الواجب توافرها في الأخ الأكبر هي الجدية والالتزام، فمن أهم واجباته متابعة التحصيل الدراسي للطفل، فهو يقوم بزيارة مدرسة الطفل عند حدوث أية مشكلة والعمل على حلها، ولأننا لا نعتمد على قدرات الأخ الأكبر فقط في التعامل مع الأطفال، فإنه يتم عقد لقاء مع طبيب نفسي حتى يساعد المتطوعون أو الأخوة الكبار على كيفية التعامل مع الطفل وكيفية معاقبته والرد على أسئلته.

أما راوية إبراهيم، مشرفة بإحدى دور الأيتام فتقول، إنه عند التعامل مع الأطفال الأيتام يجب الحذر من نظرات الشفقة لأي طفل يتيم، وعدم معايرته وألا نأخذه بذنب والديه، كما يجب احترام خصوصيات الطفل اليتيم، فعند زيارته في الدار، يجب عدم الإصرار على دخول غرفته والامتناع عن منحه أية هدايا، لأن الأطفال بذلك يشعرون أنهم متسولون وليسوا أطفالا عاديين، ونحن نهدف من وراء كل ذلك إلى ألا ينظر الأطفال لتلك الزيارات على اعتبارها وسيلة للتسول وليست للتواصل الاجتماعي وهو الهدف الحقيقي من وراء هذه الزيارات، ولذلك فنحن نوفر لهم جميع احتياجاتهم فكل طفل له دفتر توفير بمبلغ مادي كبير نسبيا، وأيضا شقة يتم تسليمها له عندما يبلغ 21 عاما، هي سن الرشد حتى يبدأ حياته عقب خروجه من الدار، ونحن بذلك نؤمن له مستقبله.

21