الأيديولوجيات الحاقدة والسياسات الخاطئة

الأربعاء 2015/11/18

ليس هناك عاقلان يختلفان على أن ما تعرضت له باريس هو عمل بربري وهمجي بكل المقاييس، ولكن المهم هو ألا يتكرر هذا التوحش في فرنسا، أو في أي مكان آخر في العالم، وأن يتكاتف العالم أو على الأقل مجلس الأمن لوضع سياسة واحدة لإنهاء هذا الجنون.

ولكي تتم مواجهة الإرهاب كظاهرة مرضية أصبحت تفتك بالأمن والسلم العالميين لا بد من تشخيصه بكل حيادية وموضوعية، حتى يتم وضع الحلول المناسبة له، وهذا لن يتم إلا بوضع خطوط حمراء لكل دولة حول ما يتعلق بالإرهاب بدءا من التحريض، مرورا بالتمويل، وانتهاء بالدعم والتبني لهذه التنظيمات، وهذا يتطلب تتبع تاريخ ظهور التوحش الإسلامي مند حرب أفغانستان التي كانت مدخلا لتفكيك الاتحاد السوفييتي، واستخدم فيها الإسلام والجهاد والاستشهاد والجنة كخطاب تعبوي لمواجهة معسكر الكفر أو بمعنى آخر غسل أدمغة الشباب العربي والإسلامي للقتال نيابة عن أميركا والحلف الأطلسي.

إن فكر الإخوان المسلمين من حسن البنا، مرورا بعبدالله عزام، ونهاية بأسامة بن لادن والظواهري هو المسؤول عن هذه الهمجية التي لحقت بالإسلام، وهنا لا يمكن تجاهل الأفكار المتطرفة الأخرى والتي هيمنت على الخطاب الديني في كل المنطقة العربية.

كما أن التأجيج الطائفي بين المذاهب والفرق الإسلامية كان وراء ما نعيشه اليوم، وهذا لا يعفي الغرب مما يجري في منطقتنا، فهو شريك في ما نعيشه نحن وما يعانيه هو أيضا. فعندما كان الرئيس الأميركي رونالد ريغن يلتقط الصور مع المتطرفين الإسلاميين أو المجاهدين في أفغانستان أمام البيت الأبيض ويصفهم بالأبطال كانت نتيجته ظهور القاعدة وما سببته من تشوهات للإسلام السمح المسالم، وما خلقته من دمار للمنطقة وللعالم، وعندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق وتهميش السنة وإطلاق يد إيران للانتقام منهم وفر ذلك مناخا مناسبا للتوحش في مواجهة الإقصاء والتهميش. وقيام الحلف الأطلسي بتدمير الجيش الليبي وفتح الطريق أمام الإرهابيين للسيطرة على ليبيا أدى إلى دفع الملايين من اللاجئين إلى عبور البحر المتوسط إلى أوروبا وكان من بينهم الجهاديون الحاقدون على الإنسانية جمعاء.

إن الطائرات الفرنسية التي بدأت في قصف ليبيا وقامت بإنزال الأسلحة لحليف مجهول بل لعدو معروف أنتجت هذه الكوارث المروعة، تماما كما فعلت تركيا وقطر والسودان والكل لن يكون في مأمن من هذا الفيروس القاتل.

إن السياسات الغربية الخاطئة في المنطقة العربية مسؤولة أيضا عن نشر هذا السلاح الفتاك بدءا من الشحن الطائفي بين الشيعة والسنة، مرورا بدعم الإرهابيين في ليبيا، ونهاية بما يجري في سوريا والعراق.

إن الحل لهذا الاختراق الإستراتيجي للسلم الاجتماعي والسلم السياسي هو تغليب الإسلام الوسطي، ومنع رعاية الإرهاب من قبل بعض الدول التي أصبحت تلعب أدوارا أكبر من حجمها، وذلك بتمويلها لمسلسل الفوضى المتوحشة.

معالجة هذه الظاهرة المميتة بشكل عاجل قبل أن يمتد جنون العنف إلى المسيحيين ويعود العالم إلى حروب القرون الوسطى، تتطلب أن يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته، وأن تنتهي مهزلة تحالف القوى الكبرى مع دول في المنطقة تحتضن الإرهاب وتمول أنشطته اللانسانية، وذلك حتى نتمكن من حماية البشرية من سرطنة نسيجها الاجتماعي بفيروس التطرف الديني والسياسات الاستعمارية.

كاتب وأكاديمي ليبي

8