الأيديولوجيا الدينية تتصيد في حالات الخوف والهلع

خبث أصحاب الأيديولوجيا الدينية، عاد ليمتطي حالات الخوف والجنوح لطلب السكينة والصفاء الروحي فبدأوا يحشون عقول العامة بشعوذة تبث الكراهية وتحرّض على الانتقام.
الاثنين 2020/03/23
هيمنة تلعب على الغرائز

التصريح المنسوب لرئيس وزراء إيطاليا جوسيبي كونتي، حول الإقرار الضمني بعجز الدولة ومؤسساتها المدنية إزاء وباء كورونا، وإلقاء الكرة في “ملعب السماء”، يزيد المشهد هلعا، ويدفع بالتساؤل: إذا كانت الدولة التي صنعت عصر النهضة، وبشرت بسيادة العلم في أوروبا والعالم الجديد، قد تركت أمرها لرحمة السماء، فماذا ستقول عندئذ، بلاد يعشش فيها الجهل والتخلف، و”يحكمها الأموات من خلف قبورهم”؟

ومهما كانت حالة التشكيك في صحة هذا التصريح المرعب، والموغل في الإحباط وثني العزائم، فإن الأمر قد لا يبدو مستغربا من حكومة بلاد تضم العاصمة الروحية لغالبية مسيحيي العالم، بالإضافة إلى ما يعرف عن شعبها من تديّن تاريخي، بالمقارنة مع بقية المجتمعات الأوروبية.

الكنيسة، بالمقابل، اكتفت بالصلوات المنقوصة، ولم تتمكن حتى من إتمام مهماتها في طقوس الدفن وشعائر إقامة القداس على أرواح الضحايا، إذ تتراكم الجثث في مناطق مثل لومبارديا الشمالية، خاصة في مقاطعة بيرغامو الثرية قرب مدينة ميلانو. والأمر الأسوأ أنه مع ازدياد عدد الوفيات، باتت هناك قوائم انتظار لإتمام مراسم الدفن وحرق الجثث، إذ قال ماركو بيرغاميللي، أحد كهنة كنيسة “جميع القديسين” في بيرغامو “لسوء الحظ، لا نعرف أين نضعهم”، مشيرا إلى المئات من حالات الوفاة يوميا.

هذا الإقرار الضمني والعلني أحيانا، من طرف السلطتين الدينية والسياسية أمام وباء كورونا، يفسح المجال لتأويلات غيبية، ويفتح الباب على مصراعيه لمشعوذين وسماسرة ومحتكرين في الدين والسياسة، بل ويمكّنُ كلتا المؤسستين من فرض نوع من الوصاية والسلطة على مواطنين لا حول لهم ولا قوة في أزمنة الخوف.

تنشط نوعية من الدكتاتورية التي لا تجد من يواجهها في حالات الرعب من تفشي الوباء، فلا السياسي يجد من يعارضه ويحاججه في قراراته، وذلك تحت ذريعة “ليس الوقت مناسبا لممارسة الديمقراطية”، وكذلك تحكم الزعامات الدينية بأمرها، عند حالات الخوف وغريزة التشبث بالبقاء. قليلون هم الذين سيحاسبون قائدا سياسيا على تصريح يضمر العجز ويثني العزائم ولا يرفع من معنويات مواطنيه في ظروف أزمة شاملة، وكذلك لن يتجرأ مؤمنون على التمرد ضد رجل دين يتوجه بالصلوات لأجل سلامتهم. هذا ما تفرضه وتمليه سيكولوجية الإنسان المقهور، على أي حال.

وفي هذه الحالة البائسة، يتحول جميع المواطنين إلى أسرى ومخطوفين مستلبين لدى السلطتين السياسية والدينية، فتعبث بمشاعرهم قيادات في مباني الحكومات ودور العبادة.. يصبحون عند ذلك، “رعايا” بعد أن كانوا مواطنين ينتخبون، أو مؤمنين يصلون.

أما الأسوأ من ذلك كله، فهو أن يتّحد الديني والسياسي، أو يتسلح كل منهما بمصطلحات الآخر في سبيل فرض هيمنة تستغل الخوف وتلعب على الغرائز والطبائع البشرية.

Thumbnail

إن كان -وعلى سبيل الافتراض- قد ثبتت صحة ما قاله رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي “لقد انتهت جميع الحُلول على وجه الأرض.. الحل متروك للسماء”، فإنه يكون بذلك قد وقّع صكّا على بياض، لجميع السلطات الدينية، وأعلن الشلل التام والعجز المطلق للدولة بجميع مؤسساتها المدنية، أمام سلطة كنسية كانت تعربد في العصور الإقطاعية، وتتحكم في الدين والدنيا عبر صكوك الغفران والمباركات السياسية التي تمنحها لمن تشاء.

يقول المثل الشعبي للتعبير عن خيبة المسعى “كأنك يا بوزيد ما غزيت” أي بعبارة أخرى: أين تلك الموجات الهائلة من التمرد على سلطة الكنيسة في عصر النهضة؟ أين ذهبت جهود الذين ناضلوا من العلماء والكتاب والفنانين والمفكرين؟ كيف تخون إيطاليا غاليلو، وتتنكر لمبادئ موحدها غاريبالدي، وجميع فلاسفة التنوير ثم تلقي قيادتها بالمجداف في وجه عاصفة كورونا لتعلن أن الأمر متروك للسماء وحدها؟

ماذا نقول نحن الذين لا يمتلكون ربع إمكانيات إيطاليا البشرية والتجهيزية والعلمية؟

أن يقول سياسي أوروبي لشعبه “ودّعوا أحبابكم.. إنها النهايات”، فهذا الاستسلام يصبح بمثابة طلقة الرحمة على البلدان ذات الإمكانيات المتواضعة والمحدودة.

أين هو القبطان الذي يقرر بأن يكون آخر من يبقى في السفينة وهي تغرق، متمسكا بشرف الواجب في حماية الركاب وتمكينهم من النجاة؟

أين نحن من مشهد أولئك الفنانين الذين يواصلون العزف حتى آخر لحظة في سفينة “تايتنيك”؟

السياسة، ووفق كل المفاهيم القديمة والحديثة، هي مسؤولية الفرد إزاء المجموعة، وهي من هذا المنطلق، تصبح من أنبل الأفعال البشرية منذ منظريها الأوائل من قدماء الإغريق، أما التديّن فهو علاقة عمودية بين الفرد وخالقه، وما مسؤولية رجل الدين إلا الاكتفاء بشرح وأداء طقوس العبادة وليس الحكم والتحكم في بعديهما الأفقي. هذا ما أقره فلاسفة عصر الأنوار، واستقامت به الدول والحكومات فازدهرت وضمن الرخاء لشعوبها، أما أن يبث سياسي الإحباط، ويعطي الضوء الأخضر للقوى الدينية بدخول المضمار، فهذا تشكيك صريح بالعلم، وليس مجرد بث طاقة روحية ومعنوية قادرة على الصعود أمام الأوبئة والأزمات.

دور العبادة أغلقت في مختلف دول العالم اتقاء من هذا الوباء، ولم يحتجَّ أحد، لم تعلُ أصوات الغوغائيين، وذلك عملا بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات، لكن خبث أصحاب الأيديولوجيا الدينية، عاد ليمتطي حالات الخوف والجنوح لطلب السكينة والصفاء الروحي فبدأوا يحشون عقول العامة بشعوذات تبث الكراهية وتحرض على الانتقام.

ليس من باب المصادفات أن تسلك كورونا “طريق الحرير” لتسافر من أقاصي الصين نحو فينيسيا الإيطالية. أليس في الأمر تذكير بقيم تسامحية كانت ويجب أن تظل سائدة كرسالة محبة ووئام عبر طريق سلكه ماركو باولو منذ المئات من الأعوام.

13