الأيديولوجيا القديمة والجماهير الجديدة بمصر

الأزمة عند نخب الأيديولوجيا القديمة تكمن في إصرارها على وجود مسارات بعينها للعالم، لا يمكن أن يوجد إلا من خلالها، في حين أن الظاهرة البشرية لا تتوقف أبدا عن التطور وشق مسارات جديدة ومذهلة لها.
الجمعة 2018/12/28
شعارات ومطالب متداخلة لم تعتدها النخب الأيديولوجية

تباينت ردود فعل النخب الأيديولوجية المصرية التقليدية تجاه المظاهرات وحالة التمرّد العالمي المنتشرة الآن، وتجاه الجماهير الجديدة التي ترفع شعارات ومطالب متداخلة لم تعتدها هذه النخب. فما بين تركيا والسودان وتونس وفرنسا وبلجيكا وهولندا، تبحث تلك النخب عن مصير أفكارها القديمة وسط جماهير جديدة، تبدو سبّاقة وتواقة للمزيد من الحريات والحقوق دائما.

الأمر أن في مصر طبقات من رجال الأحزاب والتنظيمات السياسية التاريخية، ترجع بجذورها إلى اليسار الماركسي والاشتراكي والتيار القومي الناصري، بالإضافة إلى تراث حزب الوفد الليبرالي وفرق الدين السياسي. هذه التيارات، تحديدا اليساري والقومي منها، تنظر بترقب ومحاولة فهم لما تقوم به الجماهير الجديدة في العالم الآن، وللآليات والدوافع التي تقف وراء تحركها.

كانت الفكرة التقليدية لدى هذه النخب تقوم على ثنائية الطليعة والجماهير، ووفقا لهذا التصور كان من المفترض أن تمثل النخب الأيديولوجية الطليعة أو القيادة التي تتقدم العمل وترسم مساراته، ثم على الجماهير أن تتبعها وتحتشد وراءها، لكن هذا النموذج التقليدي القائم على ثنائية النخب الأيديولوجية الواعية والجماهير التابعة المنقادة تعرّض لهزات عنيفة.

كسّر المشهد المصري هذا النموذج حينما ظهرت الحركة الطلابية المستقلة في الفترة من 2000 إلى 2004 دعما للانتفاضة الفلسطينية وضد احتلال العراق. ومثلت هذه الحركة فرزا طبيعيا لنخبتها بعيدا عن تنظيمات الأيديولوجيا القديمة اليسارية أو القومية أو اليمينية، ثم حاولت النخب القديمة احتواء الحركة المستقلة دون أن تفلح تماما.

كان الحراك الثوري في 2011 ذروة الصدمة للأيديولوجيا القديمة، حينما خرجت الجماهير للشارع بنخب وشعارات خاصة، ولم تسمح لشعارات أيديولوجية بعينها بأن تتسيّد الموقف، على حساب حرص النخب الجديدة على تقديم خطاب شامل يعبّر عن المجتمع ككل لا عن أيديولوجيا بعينها. وحاولت الأيديولوجيا القديمة أن تحتوي النخب الجديدة وجماهيرها مرة أخرى، لكن الأمر لم ينجح لأن النخب القديمة كانت تحاول سحب الجماهير الجديدة إلى أرضيتها التاريخية، لا أن تطور من نفسها لتقدم خطابا جديدا معبّرا عن عالم جديد.

على المستوى الثقافي كان الصدام أشد وحالة الإنكار في أعلى تمثلاتها؛ فمهما كان الأمر يمكن للسياسي أن يعترف بهزيمته وفق الوقائع والأحداث، لكنّ المثقفين الذين يحسبون أنفسهم على الأيديولوجيا القديمة لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إليهم، وتمثلت حالة الإنكار والإصرار على التمترس وراء رؤية قديمة للعالم واعتبارها محورا للكون وما سواها العدم؛ عندما حققت بعض النخب الجديدة النجاح في بعض المجالات التي كان يظنها مثقفو الأيديولوجيا حكرا عليهم.

حاولت النخب الثقافية الأيديولوجية الربط بين ظاهرة “الأدب الساخر” التي شاعت في العقد الأول من هذا القرن وانتشرت واستسهلها البعض ركوبا للموجة بعد الحراك الثوري في 2011، وبين الجماهير الجديدة وعجزها عن تقديم مشروع ثقافي حقيقي، لكن الرد كان في خفوت صوت هذه الظاهرة، وخروج مشاريع أدبية أكثر تعبيرا عن الجماهير الجديدة كالشاعر مصطفى إبراهيم في قصائده باللهجة العامية المصرية وغيره.

حين نعود إلى موجة التمرّد ومظاهرات الجماهير الجديدة التي تضرب العالم حاليا؛ سنجد أن هناك بعض رجال الأيديولوجيا القديمة في مصر، شرعوا في التمرّد على نموذج التحسر على الحال والانغلاق على الذات والمزايدة الهيستيرية ليقترب شيئا فشيئا من مقاربة الجماهير الجديدة وفق واقعها الفعلي، لا وفق تصوراته الأيديولوجية الجاهزة.

الأزمة عند نخب الأيديولوجيا القديمة هي إصرارها على وجود مسارات بعينها للعالم، لا يمكن أن يوجد إلا من خلالها، في حين أن الظاهرة البشرية لا تتوقف أبدا عن التطور وشق مسارات جديدة ومذهلة لها، الأيديولوجيا القديمة أصبحت كديانة مغلقة على نفسها عند البعض، تظن أن الوحي بعدها انقطع وأنها امتلكت الحق المطلق، لا فرق بينها وبين فرق الدين السياسي.

في الوقت نفسه هناك من يحاول كسر التابو والقطيعة بين الأيديولوجيا القديمة والجماهير الجديدة في المشهد المصري، وأصبح الأمر أوضح من غلق الأعين وسد الآذان عنه، لقد انزاحت النماذج القديمة بعض الشيء، فأصبح من الممكن تداخل الدافع القائم على الهوية ومحدداتها مع الدافع القائم على المصلحة ومتطلبات الحقوق الشخصية والاجتماعية.

هناك نماذج جديدة لجماهير جديدة تتشكل على أرض الواقع؛ تبحث عن خطاب يعبّر عنها وتجد نفسها بين جنباته، وهذا ما يحدث في العالم أجمع، وبدأت بعض نخب الأيديولوجيا القديمة بمصر في الالتفات له بجدية، لكن الأمر سيتوقف على قدرتها على المواجهة وإلى أي مدى يمكنها أن تذهب في العمل خارج النماذج القديمة والبحث عن نماذج جديدة.

المجتمع الصحي هو الذي يملك القدرة على خلق البدائل باستمرار، وفي الأصل التنوع الفكري الذي جُبل عليه الإنسان، مصدر التنوع الأيديولوجي والسياسي، يمكن لمجتمع ما أن يستفيد من تنوعه الفكري في خلق البدائل والمسارات، التي يمكن أن تفيد هذا المجتمع وتفتح السبيل أمامه، وهذا ما تحتاجه مصر الآن.

علينا أن نغيّر الكثير من الأفكار النمطية وننظر للمسألة السياسية باعتبارها موضوعا لخلق بدائل لمسارات المستقبل باستمرار لصالح الوطن الجامع، التنوع الفكري هو ذخيرة في دفتر أحوال الوطن الفعال والناهض، يوظف منه ما يشاء ليصل إلى أقصى استفادة من مجمل العناصر البشرية الموجودة به.

كيف يمكن للجماهير الجديدة والأيديولوجيا القديمة والبنية السياسية السائدة أن تصل للكلمة السواء لصالح هذا الوطن؟ بأن يكون سعي الجميع في البحث عن مسارات ومسارات بديلة لنهضته، ليس لمسار من فضل على مسار سوى في قدرته على تحقيق الهدف، وليس لجماعة أفضلية على جماعة سوى بقدرتها على العمل الجاد، وطرح البدائل لصالح هذه البلاد العريقة، وفق محددات هويتها وواقعها الآني وتاريخها وآمالها العريضة في المستقبل.

9