الأيديولوجيا والحب

يبدو واقعنا العربي قاسيا منذ بواكير نشأته التأريخية الأولى، وربما لعب غياب الحبّ داخل أسَرِنا دورا مرضيا (باثولوجيا) في روح الأفراد إلى حدّ جعلهم ثقوبا سوداء تلتهم كلّ ما يمنحها فعلا تعويضيا عن غياب الحب.
الأربعاء 2018/06/20
الحبّ غذاء الروح

تراه من بعيد: كائنا متثاقل الخطى يحمل على منكبيه عبء سنوات من الطهرانية اليوتوبية التي حفلت بها عقود الأدلجة الفكرية في خمسينات وستينات وبعض سبعينات القرن العشرين؛ فصار كمن يعيش في مطهر أرضي لا يستطيع معه فكّ وثاقه مع مواريث الأيديولوجيا الغاربة، ولا يستطيع التعامل مع قوانين الحياة الجديدة بسبب مفاعيل البيولوجيا والخلايا الدماغية التي أتعبتها تراكمات الزمن.

تُطِلُّ على شاشتك الحاسوبية في مواقع التواصل الاجتماعي فتعرف الكائن الأيديولوجي بين الألوف المؤلّفة من طريقته المميزة في التعبير وكيفية صياغة عباراته، التي تبدو نحتا في حجر الصوان، لكنها تشي بروح فائقة الهشاشة، روح خذلها الماضي ويأبى الحاضر أن يفسح لها موطئ قدم للتصالح معه، حتى في إطار علاقة موهومة أو متخيلة.

كائن هلامي، إذن، هو هذا الكائن الأيديولوجي الذي يعتاش على الذكريات العتيقة كمن يريد تحريك قطار كهربائي حديث بفعل قوة البخار التي جعلت الحركة تدبّ في عجلات قاطرة ستيفنسون. لا الذكريات تأبى الانزلاق إلى قعر الذاكرة لكي يتآكلها النسيان، ولا الروح قادرة على تخليق أيديولوجيا بديلة عن تلك الغاربة. إنها حكاية نوستالجية أتلفت حياة الكثيرين وحرمتهم بعض هناءة ممكنة في عيش الحاضر والتعامل مع ممكناته.

هل الأيديولوجيا قدر الإنسان؟ وقبل هذا، هل الكائن البشري مخلوق أيديولوجي في المقام الأول؟ وإذا كانت الأيديولوجيا في مرتسماتها الأساسية صناعة غربية؛ فلِمَ لا نشهد إذن هذا الانكسار العقلي والسايكولوجي لدى الغربيين، رغم ما لديهم من انكسارات كثيرة لكنها غير أيديولوجية الطابع؟ تلك أطروحة فكرية ضخمة بحق، وسأتناول جانبا واحدا منها فحسب.

يبدو واقعنا العربي قاسيا منذ بواكير نشأته التأريخية الأولى، وربما لعب غياب الحبّ داخل أسَرِنا دورا مرضيا (باثولوجيا) في روح الأفراد إلى حدّ جعلهم ثقوبا سوداء تلتهم كلّ ما يمنحها فعلا تعويضيا عن غياب الحب، والأفراد هنا رجال ونساء على حد سواء مع بعض الميل الطبيعي لجهة النساء، لأن الحب يمتلك تأثيرا أقوى في روح الأنثى لاعتبارات نفسية وأخرى تفرضها الترتيبات المجتمعية، ولما كان الحب الطبيعي غائبا أو مغيبا بصورة قسرية فسيكون البديل الطبيعي هو حب شيء ما: فكرة أو هدف أو غاية أو سياسة أو حزب… إلخ.

نحن نعرف أن بيئتنا لم تعمل على ترسيخ قواعد وأخلاقيات عمل رصينة -بسبب الاضطرابات السياسية في المقام الأول- تُعين المرء على تلمّس خطواته بثقة؛ لذا ستكون النتيجة المتوقعة أن يندفع الشاب في الانتماء الحزبي المتعجّل الذي يَعِدُهُ بمكانة ومستقبل لا يستطيع بلوغهما عن طريق التراتبية الهادئة القائمة على العمل المنظّم والكفاءة، والشباب متعجّل في الغالب يريد بلوغ أهدافه بكلّ الوسائل المُتاحة.

الأيديولوجيا بهذا المفهوم تعمل في الشباب بمثل ما يفعله الحب فيهم؛ فنراهم يندفعون في شرب أنخاب الأيديولوجيا حتى الثمالة، ثمّ تستحيل الأيديولوجيا لديهم معشوقا يغضّون الطرف عن العيوب المحتملة فيه ولا يرونه إلا كمثال الكائن المكتمل في ذاته، وإذا ما حصل أن انكسرت صورته لسبب من الأسباب فسيجعلهم هذا الأمر كائنات معطوبة عصية على المداواة.

لو دققنا في تأريخنا الفكري وقرأنا عن ظاهرة الحبّ لدى الإغريق وكيف عدّوها ضربا من الجنون الشامل المؤقت لكان بمستطاعنا معرفة بعض الأسباب التي دفنت الكثيرين تحت التراب أو جعلت منهم كائنات معطوبة الروح لا تقوى على مواجهة الواقع بجرأة وعقلانية.

14