الأيسلندية أودور آفا أولافسدوتير وحياة من منظور آخر

الأحد 2014/11/02
الكاتبة أودور آفا أولافسدوتير توقع روايتها المثيرة للاعجاب

هناك بعض الكتب، بعض القصص لا يمر عليها القارئ مرور الكرام، بل ينكبّ عليها من البداية حتى النهاية، وكأن الصفحات تمر وتطوى لوحدها، بشيء من اليسر والرقة، تمنح في النهاية إحساسا لطيفا بالاكتمال، كمن يأكل حتى الشبع، ويشرب حتى الارتواء، سكينة حقيقية، شيء ما يشبه، من دون شك، ما نسميه السعادة.

روايات أودور آفا أولافسدوتير (Audur Ava Ólafsdóttir)، هذه الكاتبة ذات الاسم صعب النطق، تندرج ضمن هذا التصنيف. وإذا كانت روايتها “روزا كونديدا” تبقى ربما هي الأعلى قيمة، حيث لا يمكننا نسيانها أبدا، ونتأسف على زمن قراءتها بشيء من الحنين، فرواية الاستثناء (منشورات “زولما”، والترجمة إلى الفرنسية من قبل كاثرين إيفيولفسون) تمتلك نفس القدرة على إرضاء القارئ وإغوائه بالمتعة المنتظرة. لا يوجد أي تحذير في البداية، الصفحات الأولى تجر ما يليها، دون تعقيد أو صعوبة في الاقتباس. لا إحساس بالتعب أو الملل خلال 300 صفحة، الإيقاع سلس ومريح، دافئ ومفيد. خوضوا التجربة وسترون، يقول بعض النقاد، إنه نهم صافٍ ولذيذ. أيضا، لا تحرموا أنفسكم من ذلك الترف الذي هو في المتناول.


ربيع الشمال


الاستثناء هو امرأة، واسمها ماريا. «أَقَرَّ قائلا، أنتِ الاستثناء في حياتي. كنت أحس بالارتياح معك لكني كنت أعلم جيدا أن ذلك لا يمكن أن يستمر إلى الأبد (…) يتوجب عليّ أن أكون صريحا مع نفسي». هكذا يعبر زوجها فلوكي حين قرر أن يفارقها. تلك العلاقة الزوجية المثالية، التي كانت تبدو في الظاهر توحد زوجين سعيدين، ستتفتت فجأة، وفي قلبها توأمان لا يتجاوز سنهما سنتين ونصف السنة.

مع اللحظات العصيبة تتألم الراوية، وتصل حتى الانهيار، تنغلق على نفسها وتعيش سجينة عزلتها

بين إحساس بالدوار وتمزق وبين اضطراب، انهيار، وسوء فهم وذهول، ستجد الراوية نفسها وحيدة في منزل، تواجه الحياة اليومية. لحسن حظها ستلقى مؤازرة معنوية ومساندة اجتماعية من طرف جيرانها. هناك بيرلا، سيدة صغيرة جدا، مستشارة شؤون زوجية وكاتبة روايات بوليسية. «شيء من الغموض يحيط بوضعيتها (…) بيرلا تؤكد أنها لم تكن يوما ضمن مجموعة سرك. إنها تشتغل في المنزل وتقسم الأربع والعشرين ساعة بين الاستشارة الزوجية والكتابة ليلا، وهي لا تحتاج إلا إلى القليل من النوم». هناك أيضا، طالب شاب يدرس شعبة بيطرية تختص بالطيور والعصافير، وهو خيِّر عطوف ومغرم متكتم، «يظن فلوكي أن مجرد خروجي من المنزل يضاعف احتمال ظهوره في مكان جد قريب".

تقوم ماريا بتحليل الانفصال، تعيد ذكريات علاقتها بزوجها، تتمعن بحكمة وتَبَصُّر في كل الأحداث التي كانت تنذرها وتنبئها بالاختلالات التي حصلت في خضم علاقتها الزوجية، «لقد كنت عمياء إذ لم أعِ الرابط بينها». بالموازاة، ستجد والدها البيولوجي، تكتشف بعض الأسرار العائلية، تسلك طريقا جديدا وتعيد بناء كيانها شيئا فشيئا، دون إراقة دم، تمر من الشتاء الجليدي المظلم إلى «ربيع الشمال البارد».


تبتسم وتغني


معظم شخصيات الرواية يكتبون، والمثير للإعجاب والسرور في الحكاية هي تلك النبرة، غير الحزينة أو المتشائمة، غير اليائسة، دائما مفعمة بالرقة واللطافة، وتلك الدعابة الناعمة، المريحة، البهيجة والحساسة. ومع اللحظات العصيبة تتألم الراوية، وتصل حتى الانهيار، تنغلق على نفسها وتعيش سجينة عزلتها؛ فالكاتبة، العطوف، لا تتخلى عنها أبدا، تعتني بها وتحافظ عليها ببراعة، تحميها باللطف، الحنان والدعابة، تضعها أيضا وسط طبيعة أصيلة وشاعرية، قاسية لكنها راقية وشجية، منشطة ومشفية، كأنها تشتق الدواء من الداء. الحزن يصبح إذن أخف وأقل مرارة. شيء من السلوان والمواساة تقريبا: «أَلم عميق يرهف الحس ويعطي للوجود قيمة».

شتاء جليدي مظلم وربيع في شمال بارد

أخيرا، (قد تكون النقطة النشاز الوحيدة) إذا كانت بيرلا-الشخصية الثانوية لكن الحاضرة بقوة (بل وحتى اجتياحية ببعض الأحيان)، كأنها خرجت لتوها من ملحمة شمالية- تعتني وتسهر على رعاية البطلة الصفحة تلو الأخرى، توجهها نحو مصيرها، فهي لا تقنع تماما، بل وحتى تزعج أحيانا من كثرة ما تخترق وتحتل المجال الحيوي لـماريا، فتكون ثقيلة الدم في كثير من الأحيان، مُشَكِّلة شيئا من الضغط على الأجواء الأخّاذة، الآسرة والساحرة للرواية. لكن آخرين، وهذا أكيد، سيرونها من دون شك، البطلة الحقيقية للقصة، التي تسل خيوط الكبة.


أديبة متألقة


أودور آفا أولافسدوتير تعرف جيدا فرنسا وعاصمتها باريس، لأنها درست هناك تاريخ الفن، وهي اليوم مديرة متحف جامعة أيسلندا ومعيدة. وتعيش بمدينة رايكيافيك التي ولدت بها سنة 1958. روايتها الأولى “روزا كونديدا” تحكي قصة عاشق للحدائق والورود سيتخلى عن كل شيء ليلتحق بحديقة ورود لدير قديم وفي جيبه بذور الوردة التي كانت تحبها أمه المختفية، وقد لقيت هذه الرواية نجاحا باهرا في أيسلندا وكذلك في فرنسا وفازت بعدة جوائز أدبية ، منها “الجائزة الثقافية (دي في)” 2008، الجائزة الأدبية النسائية وجائزة صفحة المكتبات “الاختيار الأوربي” 2010. الاستثناء هي روايتها الثالثة، ويبقى القاسم المشترك في كتاباتها هو تلك الدعابة الخفيفة والسخرية المبتسمة. وحتى حين تعالج مواضيع عسيرة فهي تفعل ذلك بتفاؤل كبير، ببشاشة وخفة دم، الشيء الذي يعطي لأيسلندا المعاصرة ذلك الوجه المشرق. هكذا إذن، فليس من المصادفة أن يحظى مواطنو أيسلندا بالمرتبة الأولى في التصنيف الدولي للشعوب الأكثر سعادة.

13