الأيقونــة

الاثنين 2013/12/23

باتت كلمة "أيقونة" شائعة الاستخدام في عديدٍ من الأوراق البحثيَّة ذات الموضوعات الأدبية والثقافية، ناهيك عن انسيابها اللافت في سياق حوارات نادراً ما يحدث وأن توقف الناطقون بها حيال أبعادها. وإني، ولسببٍ أجهل مصدره الآن، جعلت من هذه الكلمة بؤرةً أُنعم النظر في مدلولاتها وأتساءل إذا ما كان لها المعنى نفسه عند الجميع.

بعيداً عن المكانة التي تحتلها "الأيقونة" في الأعراف الكنسيَّة منذ نشأتها، وربما بالانضفار بها والاشتباك معها دون إدراك كثير من مستخدميها لذلك، فإنَّ الأيقونة حَمَّالة مَجازات واستعارات تسمح لشبكةٍ من التأويلات أن تُنْسَج. وهي، في راهنها الثقافي والسياسي المُعايَن، ما تزال تشي بـ"قَداسةٍ ما" و"سُمّوٍ ما" و"إعلاءٍ ما"، ولعلَّ مبعث هذا التقدير إنما يعود إلى أصلها "المقدَّس" و"أوَّلها" الغابر/ الحاضر! غير أنَّ اللافت في جُل المسألة، حين الخروج من دائرة التخصيص والشخصنة، هو الوقوع على تلك الشبكة من المجازات والاستعارات بما يسمح للثلاثيّة المُشار إليها أن تبقى مرفرفة في الأذهان – ولو على نحوٍ ملتبس.

ماذا يعني هذا؟

ماذا يعني أن تتحوَّل لقطة فوتوغرافية محددة لوجه تشي غيفارا بالبيريه ذات النجمة، إلى موضوعةٍ فنيَّة لم يبقَ اتجاهٌ تشكيليٌّ حديث (البوب آرت ممثلاً في آندي وارهول) صامتاً حيالها، ولم يُسهم في الإضافة عليها و"تلوينها"، وعرضها في أروقة صالات الفن وحتّى المتاحف، وداخل الكتب والمجلات، واستنساخها عبر الملصقات بأنواعها وأحجامها وتعدد مناسباتها، والوصول إلى وشم جدران مدن العالم بها من خلال فنّاني الشارع أو مشاهير الـ"غرافيتي"؟ أولسنا هنا بصدد تأمل "حالة أيقونيَّة" انطلقت من شخص غيفارا، المحدد والمعيَّن لكنه القتيل الشهيد الأُممي، ثم امتدت لتشكِّلَ معانٍ ومدلولات تجاوزت بدايتها لتعانق مبدأ الحريَّة والانتصار للإنسان (بمعناه المطلق) المناضل من أجل كرامته، بصرف النظر عن أوجه قِوى العَسْف والظلم والاستبداد وعناوينها؟ (تجرأتُ وصممتُ ملصقاً لغيفارا أرفقتُ فيه عبارته الأشهر: الأفضل لك أن تموت واقفاً من أن تعيش جاثياً على رُكبتيك.)

وماذا عن لقطة فوتوغرافية أخرى لوجه مارلين مونرو، حيث تسريحة الشَّعر بِغُرَّتها المتلولبة إيّاها، وغمزة العَين البائنة، والتركيز على الفم المفترّ قليلاً بشفتيه الحمراوين الواسعتين وكأنَّ سرَّ الغواية يقبع هناك! وهذه أيضاً لم يسمح فنّانٌ لنفسه بإفلاتها دون أن يضيف إليها من عندياته (وارهول من جديد) – إما تهكماً، أو ترويجاً تجارياً، أو تلميحاً للشُّبهة السياسية في "انتحارها"، أو مجاراةً لإدخال هذه "الأيقونة" في عداد إنجازاته الشخصيَّة. فمن هي، إذَن، مارلين مونرو في راهنها "الأيقونيّ" عبر العالم ولدى كل فنّان أعملَ أدوات إبداعه فيها؟ أما زالت تلك المرأة الصغيرة القادمة من الجنوب، الطائشة/ المتحررة، ملهمة صبايا جيلها من الأميركيات للتمرد على مجتمعهن المحافظ حينذاك، وشاحنة الرجال الأميركيين بالشهوة، وزوجة أشهر كاتب مسرح في برودواي (آرثر ميلر)، وعشيقة جون كينيدي الخفيّة – بحسب الإشاعات؟

أما زالت هي هي، نفسها مارلين مونرو التي ماتت دون أن تدرك بأنها ستستحيل إلى "مارلينات" بعدد راسميها والحالمين بها؟

بالطبع لا.

ما أريد الإشارة إليه، بهذا المقال القصير، يتعيَّن في كيفيّة "صناعة" الأيقونات في العصر الحديث والأسباب المختلفة الحاثَّة على رواجها في أذهان، وعيون، وأسماع إنسان هذا العصر في هذا العالم الموسوم بـ"الاستهلاك السريع" و"ثقافة الفُرْجَة".

فأنْ نقول بالاستهلاك صِفةً للمجتمعات الحديثة يعني، في أحد جوانبه الرئيسة، ابتعاد الإنسان فيه عن كلّ ما يقتضي منه صبراً واحتمالاً على ما هو ليس ميسوراً وفي متناول اليد القصيرة. وبذلك؛ فإنَّ جانب الفُرْجَة المتاحة "جماهيرياً" يشكّلُ ضرباً من ضروب الحصول على "سِلعةٍ ما" مجّاناً وحيثما كانت حركته في شوارع مدينته، أو داخل غرفة جلوسه قابعاً أمام تلفازه، أو متصفحاً مجلةً ملوّنةً في صالون الحلاقة! ما يؤدي إلى اختلاق "ثقافة سِلَعيَّة" سهلة الالتقاط بمجرد إلقاء النظرة والتفرُّج!

أما المفتاح الميسور، والتذكرة المجانيَّة لولوج هذا "المسرح"؛ فيتمثّلان في اعتماد الأيقونة مَجازاً واستعارةً تخاطب المدفون في هذا الإنسان الاستهلاكي، تاركةً له وَهْمَ امتلاكه لثقافةٍ يعتزّ بها، وإدراجاً لكلمةٍ قد يكون جوهرها امَّحى عندما استخدمها!

ولي عودة للأيقونة.

_______


* كاتب من الأردن

14