الإبحار في عالم الشخصيات مليء بالدهشة والحيرة

الأحد 2015/01/11
ظروف النشأة تحدد التركيب البنائي لشخصية الإنسان

القاهرة - مَنْ أنت؟ سؤال ربما يكون من الصعب أن نجد إجابة له، لأن الإبحار في عالم الشخصيات يضعنا أمام العديد من الاستفسارات والرؤى، التي قد تقودنا إلى عالم غامض مليء بالدهشة والحيرة، والمواقف التي يضع فيها الشخص نفسه قد تكون عاكسة لقوة هذه الشخصية أو ضعفها، فمن الأزمات تُصنع الرجال، وخلال هذه الرحلة عبر الشخصيات سوف نتعرّف على أنواع عديدة من هذه الشخصيات، وسنعرف أسباب تكوينها ومُلابساتها.

يقول الدكتور أسامة محمد أبو النصر أستاذ الدراسات النفسية بجامعة عين شمس: إن الشخصية الانعزالية شعارها المفضل “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”، وهي تتميّز بالخجل الشديد، لدرجة أن صاحبها لا يستطيع أن يقيم علاقات اجتماعية مع الآخرين، وإذا حدث ذلك فيكون مع عدد محدود ممن تضطره الظروف إلى الاقتراب منهم، وغالباً ما يكونون مثله، فصاحب هذه الشخصية يجد مُتعته وهو وحيد، أما إذا اضطرته الظروف للقاء الآخرين، فإنه يفقد الشعور بالطمأنينة والراحة.

وهو أيضاً يكره المناسبات الاجتماعية، لأنه يضطر فيها للقاء الآخرين، لذلك فهو يظل مُنعزلاً ومُنغلقًا على ذاته، ولعل هذا هو السبب الذي يجعله لا يستطيع أن يُعبّر عن نفسه وعواطفه، فهي مُختزنة بداخله ولا يظهرها، ولكن الآخرين يظنون خطأ أن عواطفه مُتبلّدة، والغريب أن الانعزالي يكون سعيداً كلما بقي مُنعزلاً عن الآخرين، ولعلنا نلاحظ أن تركيزه مُحدد، حيث أنه لا يستطيع أن ينجز إلا إذا ركّز في عمل واحد، وله مقدرة فريدة على الصمت.

ويتحدث الدكتور أسامة عن الشخصية القهرية، فيقول: إنها تتصف بالانضباط والالتزام الشديد، لدرجة يصعب تصديقها، فهي تلتزم بأدق الأشياء من خلال العُرف والقوانين، وترفض أن ينتقدها أحد، ويتميّز صاحبها بشدة العناد، والتمسُّك برأيه “لآخر نفس″ كما يقال بالعامية، فليس عنده أي استعداد للتنازُل عن رأيه، وهو صريح ومُباشر، ولا يهمه رأي الناس، لذا فعندما يتحدث يقول دون مُجاملة، فهو جامد ومُتماسك إلى حد كبير، ولا يقبل الأعذار، ومبدأه أنه عندما يقول شيئاً فيجب الالتزام به.

هذه النوعية من الشخصيات عندما تقول تفعل، وإذا وعدت فلا تخلف، والوقت عنده مُقسّم إلى اهتمامات، لا يطغى بعضها على البعض الآخر، فمثلما ينتقد البعض الانطوائي بأن عواطفه مُتبلّدة، فالشخصية القهرية تُنتقد بقلة الذوق والنفور منها؛ لأن صراحتها لا تعجب أحداً.

ويضيف الدكتور أسامة: أما الشخصية الهستيرية، فترى أن “أحباء الأمس قد يصيرون أعداء اليوم”، فهذه هي القاعدة أو الرؤية التي لديها، ويا لها من شخصية مُثيرة للجدل، هوائية في تصرفاتها، سريعة التقلب، وإذا تكلمت معها تجدها تتحدث معك، وتوهمك أنها تفكر فيك شخصياً، ولكنك لا بد أن تدرك الحقيقة المؤلمة، وهي أنها لا تفكر في أحد ولا تهتم إلا بنفسها فقط، وتحاول أن تجذب انتباهك إليها.

الشخصية المزاجية هي صاحبة مزاج متقلب، وتختلف تماماً عن الهستيرية، فهي تتغير في نوبات ومواقف دون وجود أي أسباب ظاهرة واضحة

وهي في الحقيقة شخصية سريعة التقلب، ليس لديها استمرار في العلاقات الاجتماعية، وتواجه هذه الشخصية أزمة، إذا تغيّر شيء في جسدها مثل زيادة وزنها بضعة كيلوغرامات، أو زحفت على وجهها بعض التجاعيد البسيطة، فسُرعان ما تتوتر وتتردد على الأطباء، حتى تطمئن على أن جمالها لم يحدث له شيء، لأنها هيستيرية، وعلى المستوى الانفعالي لو تعرّضت لأي موقف صعب أو أزمة، فسُرعان ما تنهار وتفقد السيطرة على نفسها، فهذه الشخصية تحقّق نجاحاً في الأعمال الفنية والعلاقات العامة والدعاية والإعلان، فهي تستطيع أن تلفت الانتباه إليها وإلى عملها، من خلال مهاراتها الاستعراضية التي تجعلها مركزاً لاهتمام الآخرين.

أما الدكتورة منى عبد العزيز أستاذة الدراسات النفسية بجامعة طنطا، فتقول: الشخصية المزاجية هي صاحبة مزاج مُتقلب، وتختلف تماماً عن الهستيرية، فهي تتغيّر في نوبات ومواقف دون وجود أي أسباب ظاهرة واضحة، فمزاجها يتغيّر من الهدوء إلى الانفعال، ومن الخمول إلى النشاط، وتتحوّل من النقيض إلى النقيض دون أي أسباب واضحة، فقد تراها مُقبلة اجتماعية، وفجأة تتحوّل إلى الانعزالية، أو قد تكون كسولة في حياتها ثم تتحوّل لشعلة نشاط.

وثمة نوعان من هذه الشخصية: الأولى تغلب عليها نوبات التشاؤم والحزن وتراها قليلة الابتسام، وعلاقاتها الاجتماعية محدودة، فصاحبها ينظر عبر دائرة سوداء، وعادة ما نقول عنها بالعامية “نكدية”؛ لأنها تجعل الحزن والنكد أولوية لديها.

أما النوع الثاني فهي المرحة الاجتماعية، فتجدها مُقبلة على الحياة، وتحب الضحك والترفيه، ومُتفائلة وتتمتّع ببشاشة تشيع البهجة في المكان الموجودة فيه.

وتقول الدكتورة منى عن الشخصية المتغيّرة: وهي التي “بين البينين”، وقد سُميت كذلك، لأننا يمكن أن نصفها تحت تشخيص مُعيّن في أوقات، ثم ندرجها تحت مُسمى آخر في أوقات لاحقة، وصاحبها دائم التوتر في علاقاته مع الآخرين، فيمكن أن يحترم الآخرين ثم بعد فترة يُقلّل من مكانتهم، ولذلك فمن السهل أن تتبدل علاقاته بمن يحيطون به، وصاحب هذه الشخصية يحاول أن يقترب ممن حوله لدرجة الالتصاق الاجتماعي، فهو من الممكن أن يقبل كل ما تقوله الشخصية التي أمامه عن ترحيب، وبعد فترة ينقلب الحال ويتجنبه ويبتعد عنه.

وفي تعليقه على هذه النماذج، يقول الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي: إن تعدُّد أنواع الشخصيات يأتي من كونها في المقام الأول شخصية سوية أو غير سوية، فالشخصية هي حالة المرء واتجاهاته نحو نفسه والمجتمع وربّه، ولو توازنت هذه النقاط الثلاث في ثلاثة خطوط مُتساوية، لصنعت مُثلثاً مُتوازناً بداخل الإنسان، وبذلك تتكوّن اتجاهاته الفكرية التي تحمل عاداته وتقاليده، وبذلك تتنوّع تصرفات وأساليب التفكير، وبالتالي تتنوّع الشخصيات، وقد تتساءل: هل لا بد أن يتمتّع الفرد بشخصية واحدة مُحددة الملامح، كأن يكون انطوائياً أو قهرياً أو غير ذلك؟

إن الإنسان يحمل من كل بُستان زهرة، فالأنواع المتعددة للشخصية يدخل عدد منها في التركيب البنائي للشخصية بنسب مُختلفة حسب ظروف النشأة، ويظهر نوع من الشخصيات بصورة واضحة أكثر من الأنواع الأخرى.

21