الإبداعات المستقبلية.. تلاقح الفنون من أجل رؤى بديلة

الاثنين 2013/12/02
اللوحة التشكيلية تمردت على الأطر الهندسية الكلاسيكية

لم تكن ولادة العمل الإبداعي منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا كافية لطمأنة المبدع بأن عمله الأدبي أو الفني سوف يحافظ على ديمومته ويعيش في المستقبل إلى أجل غير مسمّى. وعلى الرغم من أن النصوص الأدبية والأعمال الفنية لم تتداخل كليا، ولم تتداع بين الجدران إلاّ في العصر الحديث، بل في الأعمال الحداثية التي لا تؤمن بنظريات التجنيس الأدبي أو الفني التي تُبقي القصة في إطارها القصصي، والقصيدة في قالبها الشعري، والرواية عن عالمها السردي.

ثار المبدع على هذه الأُطر المُقيدة التي تحبس "الجنس" الأدبي في قوالبه التعريفية الجامدة التي تخنقه ولا تتيح له إمكانية الانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى والتلاقح معها بهدف خلق نصوص مهجّنة قد تطعِّم النص الأصلي بنفس جديد أو نكهة مختلفة، وقد تكون جديدة كليا وذات روح مغايرة مع احتفاظها بخصائص الجنس الأول الذي ثار على نفسه وحطّم غالبية الأطر المقيدة له.

فضاءات وليدة

من هنا فقد استعانت القصة القصيرة والرواية باللغة الشعرية لما تنطوي عليه من كثافة وتركيز عاليين في محاولة منها لكسر الجمود السردي، والوصول إلى شعرنة النصوص السردية بواسطة هذا التلاقح الذي يتيح لجينات النص الشعري أن تجد طريقها إلى فضاءات النص السردي، وتمنحها بالنتيجة طاقة جديدة مُضافة لم يألفها النص السردي القار الذي عهدناه من قبل.

لم تكتف الرواية من جهتها بالعناصر الأساسية التي تشكّل متن النص الروائي من زمان ومكان وحدث وشخصيات، لذلك يسعى الروائيون دائما لأن يحطّموا المسارات الزمنية التقليدية فلا غرابة أن يتداخل الماضي بالحاضر أو يقفز إلى المستقبل، ولا غروّ في أن تتماهى الأحداث الواقعية بالفنتازيا كي تكسر طابع الرتابة، أو تنتهك الجو التقليدي الذي اعتدنا عليه في روايات النمط الواحد الذي يقع في خانق التكرار أو الاستنساخ حتى وإن اختلفت الأحداث والشخصيات.

لم يعد الشعر من جهته مقتنعا بما لديه من معطيات وعناصر فنية، وإذا كانت الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، واللغة المتأججة، وعناصر الإدهاش والمفاجأة وما إلى ذلك غير كافية لأن تطيل عمر النص الشعري، كي يمتد إلى المستقبل ويعيش فيه وفق اشتراطاته الزمنية، لذلك لجأ إلى الإفادة من الأجناس الأدبية والفنية فأخذ من القصة الرواية نسقها السردي، كي يكسّر رتابة الإيقاع الشعري، ويصل إلى ما يمكن تسميته بسردنة النص الشعري. وحينما ملّ الشاعر من معالجة الموضوعات الكونية الكبيرة راح يلوذ بالثيمات اليومية، بل إن بعض النقاد لا يجد حرجا في أن يُطلق على هذا الشاعر الكبير أو ذاك لقب شاعر "القصيدة اليومية" التي تُعنى بالهموم اليومية العابرة، لكنها تحتفي بالشعر حتى وإن كان شكل هذا الاحتفاء بالومضات أو اللحظات التنويرية، التي تفتح أمام القارئ أو السامع آفاقا جديدة لم يألفها المتلقي من قبل.

لا شك في أن بعض الشعراء يبالغون في اللهاث وراء الصرعات الجديدة بحجة التطعيم أو التلقيح أو كسر الأطر القديمة، فمنهم من راح يغنّي على المنصة أغاني تراثية قبل أن يقرأ قصائده على الجمهور، ومنهم من راح "يصفّر" لبضع ثوان، وحينما سألناه عن هذه المفارقة قال: "إنها جزء من القصيدة"! أنا، في حقيقة الأمر، لا أستغرب هذا النزوع لأنه يقع في دائرة التلاقح والبحث عن المغايرة والاختلاف. لقد احتاج هذا الشاعر صوته هو بالذات فأخذ يصفّر بدلا من أن يستعين بالموسيقى مثلا كما هي عادة البعض في قراءة نصوصهم الشعرية بمصاحبة العود أو أية آلة موسيقية تلبّي هذا الغرض.

صرعات جديدة

الفنان التشكيلي دخل على الخط وحاول أن يتمرد، هو الآخر، على الأطر الجامدة التي تقيّد عمله الفني. فمن غير المعقول أن تظل اللوحة مربعة أو مستطيلة أو مستديرة لأن المتلقين قد ملّوا من هذه الأشكال التقليدية الثابتة، لذلك انفتحت اللوحة على كل الأشكال المتاحة أمام الفنان، وحينما لم تشبعه هذه الأشكال الهندسية النمطية راح يحطّم أطرها الخارجية ليفتحها على الفضاءات المحيطة بها. فاللوحة مهما كبرت مساحتها تظل محدودة ولا تستطيع أن تستوعب مشاعر الفنان وأحاسيسه الداخلية العميقة التي قد تثور بين أوان وآخر، لتجد نفسها خارج الأطر الهندسية التي تكبّل العمل الفني. من هنا فقد تسربت "السكيتشات" إلى الدواوين الشعرية، والمجموعات القصصية، وخشبات المسارح، وحينما ضاق بها المقام خرجت إلى الشوارع والأرصفة والميادين العامة والحدائق والمتنزهات كي تتنفس هواء نقيا حالها حال البشر الذين يحتاجون إلى الراحة والاسترخاء.

استعان المسرح بالقصة والقصيدة واللوحة والتلفاز والفيديو والسينما كي يخرج من علبته المسرحية، مثلما استعانت السينما بكل شيء؛ قد تقدّم أفلاما شعرية، وخيالا علميا، وأفلام طريق مستعيرة من الجغرافية غالبية معطياتها في البر والبحر والفضاء المرصع بالنجوم والكواكب السيارة.

إن كل هذه التلاقحات -المشار إليها سلفاـ تؤكد لنا بما يشبه الدليل القاطع بأن النصوص الأدبية والأعمال الفنية الإبداعية تلجأ إلى هذه الحيل التقنية، كي تظل صالحة للعيش في المستقبل ولأطول مدة زمنية ممكنة.

16