الإبداع أطول عمرا من كارهيه

قانون التاريخ ينتصر للمستضعفين ولو بعد مئات السنين، وينتقم من المستبدين بإسقاطهم من الذاكرة، وقد يرى التاريخ في النسيان رحمة بالمستبدين، فينتقم منهم انتقاما مضاعفا بألا يحتفظ لهم إلا بذكرى الحماقة.
الاثنين 2019/07/08
فيلم "البريء" كان أكثر جرأة من قدرة الرقابة على التصريح بعرضه

يٌتعبني دائما إثبات نسبة المقولات الشائعة إلى أصحابها، أتعب ولا أصل إلى يقين. ولا أستطيع فضّ نزاع بين برنارد شو وهيغل، أيهما القائل «الشيء الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم شيئا من التاريخ»؟ وأميل إلى أنها لهيغل.

وأيا كان قائلها، فهي تثبت أن الحكمة أطول عمرا من صاحبها، وتؤكد أن العقول منزوعة الخيال، والسلطات المستأسدة بالقوة وحدها لا تريد أن تتعلم من التاريخ حقيقة عابرة للثقافات، ألا جدوى من مصادرة الفكر والإبداع؛ فقانون التاريخ ينتصر للمستضعفين ولو بعد مئات السنين، وينتقم من المستبدين بإسقاطهم من الذاكرة، وقد يرى التاريخ في النسيان رحمة بالمستبدين، فينتقم منهم انتقاما مضاعفا بألا يحتفظ لهم إلا بذكرى الحماقة. ولا يبقى إلا الرهان على الزمن في الغربلة، ونبل الاصطفاء، مع شيء من عزاء النفس بأن قدَر الحمقى أنهم محكومون بالغفلة، وأنهم ضحايا أنفسهم، ولا يتعلمون من تجاربهم، «ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه».

في عام 1986، وفي ما يشبه النبوءة بتمرد جنود الشرطة (قوات الأمن المركزي)، اجتمع في القاهرة وزراء الدفاع والداخلية والثقافة، لممارسة مهمة الرقابة على فيلم «البريء»، وفيه يغرَّر بالجندي البائس أحمد سبع الليل (أحمد زكي)، ويشحن نفسيا لتعذيب «أعداء الوطن»، إلى أن يفاجأ بصديق طفولته الطالب الجامعي بينهم؛ فيؤلمه جُرح الخديعة، ويحاول حمايته فيتعرضان معا للتعذيب والإهانة. ثم ينتهي الفيلم بسبع الليل في برج المراقبة يطلق النار على جنود المعسكر وضباطه وقائده الساديّ، وتأتيه رصاصة من أسفل فتقتله.

كان الفيلم أكثر جرأة من قدرة الرقابة على التصريح بعرضه، فرأى الوزراء الثلاثة حذف عدة مشاهد أهمها المشهد الأخير، وطوله أربع دقائق وبضع ثوان. وعرض الفيلم منقوصا مشهد التصفية الجسدية. ثم أنصفه الزمن وعرض كاملا، عام 2005 في افتتاح المهرجان القومي للسينما المصرية، في دار الأوبرا بالقاهرة، ويتوالى عرضه كاملا في الفضائيات، من دون أن تتأثر الدولة العميقة بسبب عمل فني.

مهما كان تأثير الرقابة من منع لأعمال فنية فإن الفن والإبداع هما من ينتصران في النهاية

كان «البريء» محظوظا، فلم يتأخر الزمن في مصالحته على المشاهدين، ولا أحد يتذكر الآن أسماء الوزراء العتاة. وفي سجل السينما المصرية رصيد من أعمال واجهت أقدارا متفاوتة من التعنت، وأغلبها لأسباب سياسية. في عام 1938 منع عرض فيلم «لاشين»؛ بحجة تضمّنه مساسا بالذات الملكية ونظام الحكم. ربما تسببت مكايدة وزارة الداخلية في منع الفيلم يوم عرضه جماهيريا، فأعلن ستوديو مصر، منتج الفيلم، تأجيل العرض «مراعاة للمصلحة العامة»، واضطر إلى تغيير النهاية التي تفرض فيها إرادة الجماهير حاكما مختارا، بعد قتل سلفه. ولم يعرض الفيلم إلا بعد فرض نهاية تمكّن الحاكم، «مولانا العزيز»، من القضاء على ثورة الجياع التي وصفت بالمؤامرة.

وفي عام 1977 رفضت مصر الفيلم التسجيلي «لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء» الذي أخرجه اللبناني برهان علوية عن المهندس حسن فتحي صاحب مشروع عمارة الفقراء. التهمة الجاهزة هي الإساءة إلى سمعة مصر، ولكن الزمن أنصف الفيلم (74 دقيقة، من إنتاج المعهد الفرنسي للصوتيات والمرئيات)، ففي الدورة الحادية والعشرين لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، أبريل 2019، عرض هذا الفيلم، ضمن تكريم للمخرج تضمن إصدار كتاب عن سيرته الفنية للناقد اللبناني نديم جرجورة.

في ذاكرة المصادرات أيضا منع فيلم «ليلى بنت الصحراء» لبهيجة حافظ، لتزامنه مع ترتيبات زواج محمد رضا بهلوي ولي عهد إيران من الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق. وقد رأت الخارجية الإيرانية الفيلم مسيئا إلى إيران، ممثلة في كسرى أنوشروان الذي يحاول اغتصاب الفتاة العربية. ودفعت الحكومة المصرية تعويضا لبهيجة حافظ عن خسائرها بمنع الفيلم الذي عرض عام 1944 «معدّلا» بعنوان «ليلى البدوية».

ليست المصادرات إلا تاريخا من العبث.

15