الإبداع.. التواصل أم القطيعة

السبت 2016/12/03

أطَّلِعُ بين الحين والحين، على ما يصدر عن فنانين أو كتّاب، يُغَلِّبون في ما يكتبون أو يقولون، فرضية القطيعة في الثقافة بعامة والإبداع على وجه خاص، بين المراحل أو بين الأجيال، وقد يبالغ بعضهم، مدعيا انتسابه إلى مرحلة أو جيل، مبتور الصلة بكل ما قبله، وكأنه طفرة من طفرات الطبيعة، حسب المصطلح العلمي، أو نبتة شيطانية حسب المقولة الأدبية الشائعة.

ويذهب هؤلاء أحيانا إلى ما يشبه الاحتراب، ليس مع من سبقهم وما كان قبلهم على صعيد الثقافة، معرفة وإبداعا، بل مع كل من يختلف معهم وعنهم.

وما يدفع بهذا الموقف إلى أقصى حالات التطرف، أن يجدوا في محيط من تقدم عليهم زمنيا، ونشأ في فضاء معرفي وإبداعي، له خصوصياته، رفضا وانغلاقا في مواجهة جميع المتغيرات وكل ما هو جديد، وكل من وما يتجاوز الخصوصيات التي نشأوا في رحابها، أو من يضيف إليها.

ولو توقفنا عند معطيات التاريخ الثقافي على صعيدي المعرفة والإبداع، ليس العربي فحسب، بل الإنساني كذلك في جغرافياته المهمة، لوجدنا أن التواصل بين المعطيات الثقافية هو الذي يمثل الحقيقة وأن القطيعة مجرد افتراض لا يمكن إثباته أو مجرد قول يصدر عن ادّعاء أو تعصب أو وعي مسطح.

إن متغيرات الوعي، ومن ثمّ متغيرات الثقافة، لا تحتل مكانها في الحياة الإنسانية، بطرد ما كان قبلها، وإنما بتمثلها والحوار معها، حوارا عميقا وإيجابيا، وبهذا الحوار يكون التأثير، ومنه أيضا يأخذ ما هو جديد مكانه ويحقق انفتاحه في الحاضر والمستقبل. إن افتعال الصدام مع الموروث الثقافي لا يحقق التغيير ولا يؤسس لواقع ثقافي جديد وحيوي، ولن يكون أكثر من حالة استعراضية منفعلة وساذجة، لأن المتغيرات الثقافية هي نتيجة الفعل الجدلي الموضوعي، وليس من فعل النبز والنميمة أو التعالي على الواقع والضياع في متاهات واقع لم يتشكل بعد.

ومنذ بدايات وعيي بما هو جديد، وما ينبغي أن يكون وما لا بدّ من تغييره، وأنا في حوار من داخل الواقع ومن حال التفاعل معه، وليس من حال الاستعلاء عليه والاستهانة به والقطيعة معه.

إن ما نراه قديما في الفكر والطقوس، كان جديدا في يوم ما، وهو لن يتغير وينفتح على ما هو جديد إلا بتغيير الواقع ، أما الرفض السطحي الصادر عن انفعالات سطحية هي الأخرى، فلن يغير الواقع ولا يؤدي بما هو مغلق في الفكر والسلوك إلى الانفتاح، إن لم تكن الانفعالات السطحية والرفض الصوتي الشعاري واعتماد معايير تقليد الآخرين ، من أسباب المزيد من الانغلاق والمزيد من التشبث بالسائد.

إن أيّ تشييء للنص الإبداعي يضعه تحت سلطة الحصار، بل هو خيانة له، وهذا الفعل من نتاج ثقافات مغشوشة تنقل ولا تبدع، تقول ولا تتأمل، تكرر ولا تفكر، وهي نتاج اتباعية باردة لا تتوفر على مقومات وعي معياري دقيق.

إن هذا التشيّؤ، حتى لو ارتضيناه جدلا، فهو لا يتسم بالثبات وقد يتغير توصيفه بين مرحلة وأخرى، وبين موقف وآخر.

إن ما يستثيرني في هذا الموقف، أن بعض من يقول به، لا يتجاوز ما يعرف ولا يبذل جهدا في معرفة ما يجهل، حتى كأن ما يعرفه هو الحقيقة الكاملة، وإن ما لا يعرفه هو رجس ينبغي على الآخرين اجتنابه، وأمثال هؤلاء نجدهم في كل مكان، يطلقون أحكاما كأنها فتاوى صادرة عن مجمع فقهي، وهم لا يمتلكون من مقومات الفتوى، حتى أدناها.

كاتب من العراق

16