الإبداع العربي والمنفى

الخميس 2013/10/03

لم يحدث أن اقحمت القصيدة العربية في حالة من الالتباس فيما يتعلق بمشهدية المنفى كما هو حاصل اليوم على يد شعراء الحداثة العرب.. منهم من لا منفى له وتجده لا ينفك عن استحضار المنفى في كل قصيدة جديدة، حتى نظن أن كل شعراء الحداثة اليوم هم منفيون خارج أوطانهم يتسكعون وينامون على الأرصفة، وغالبا في الصقيع كإشارة إلى المناخ الأوروبي.

يتحاذق بعض الشعراء ويؤكدون أن المنفى هو في الروح ولا يمكن اختصاره في مساحة جغرافية. وكأن بأطياف غير مرئية تأتي لهذه الروح وتذهب بها إلى أقاصي عوالم خيالية تتشابح بصناعة الألم.

لم تشهد مسيرة الأدب العربي في عصور سابقة أي حضور للمنفى إذا ما تجاوزنا الإضاءة المتكررة عند الكثيرين من الكتاب والشعراء وبمديح فائق للفكرة المحكمة حول الارتباط والاستئناس بالمنزل الأول كتعبير عن الوطن. لم يكن المنفى كأدب خالص موجود بصراحة كما هو الحال اليوم حيث يتمدد ويتطاول على مساحات واسعة من الأعمال الأدبية والفنية حتى يطغى ويصبح عنوانا بارازا لكثير من المبدعين ومنهم من لم يغادر أزقة حارات مدينته.

على أن أدب المنفى هو نتاج أوروبي بامتياز ازدهر ما بين الحربين عندما سادت الأنظمة العسكرية الشمولية، وعلى هدْيه بعد ذلك سار أدب أميركا اللاتينية عندما اعتلت الأنظمة الديكتاتورية سدة الحكم في تلك البلاد. وعليه فإن هذه التجربة ظلت صادقة وحارة لارتباطها بالواقع على عكس التجربة العربية التي ظلت في معظمها نتاجا اصطناعيا لم يمسه التلقيح الطبيعي. ربما وبشكل ضئيل إن هذا التلقيح قد تسرّب إلى مادة السرد التي تناولت الحديث عن إشكاليات المجتمعات متعددة الثقافات وبرز المنفى فيها بشكل عرضي وبما توفر للمبدع من اطلاع على أدب المنفى في ثقافات أخرى.

في الحديث عن المنفى العربي يغفل الكثير من النقاد على أن نفي المبدع لم يتم بشكل قسري معلن من قبل السلطة بل برغبة ذاتية فيها الكثير من دوافع متوهمة عن واحات حرية التعبير، وهذا النفي هو أيضا عملية حركة اجتماعية واسعة يشارك فيها خليط طبقي هربا من الحرب كما يشير المنفى العراقي، أو فرارا من أوضاع اقتصادية متردية كما يشير المنفى المغربي الذي استوعب أيضا هؤلاء الذين وجدوا في الفرنكفونية وطنا إن غادروه إلى أوطانهم الأولى شعروا بالغربة وحق عليهم جحيم المنفى.

لم تشر البيانات إلى أن مبدعا عربيا واحدا نال حق اللجوء في بلد أوروبي بسبب مواقف معارضة قد وجدت في أي مُؤلف من مؤلفاته.. إن معظم حالات اللجوء إلى أوروبا كانت ولا زالت تُقبل على أساس الهروب من ويلات وجحيم الحرب.

لكل ذلك أجد نفسي أختلف مع المبدعين العرب الذين يعيشون برغد في الغرب وتحوم حول أرواحهم ملائكة رحيمة، ونجدهم في جلّ كتاباتهم قد جعلوا المنفى قِبلة صلواتهم وراحوا يجلدون أنفسهم بجحيم المنفى المتخيّل وهم يتأوهون بين عذاب واستعذاب، بينما الجحيم الحقيقي هو ماثل هناك في البلاد التي خلفوها وراءهم.

لا يصح القول إن المنفى يظل منفى بما له وبما عليه. لابد للتجربة أن تنحفر بوعي كامل وتقدم نفسها بكل صدق وبلا بطولات. فعندما يتواجه الجحيمان، جحيم المنفى وجحيم الوطن فإن المبدع يظل بينهما هو الضحية وهو الجلاد.

14