الإبداع لا يقوم إلا بالتمرد على الماضي والقطع معه

قطار الإبداع البشري يمضي، عبر التاريخ، غير آبه بمن ركبه أو لم يركبه من نزعات، مؤكدا مقولة مفادها أن المعنى في قلب الشاعر.
الأحد 2020/02/16
لوحة للفنان إبراهيم الصلحي

كل فعل إبداعي لا يجاري السائد ولا يستسلم للمألوف، هو، دائما، وبالضرورة، محل شبهة وتشكيك في عين الناقد والدارس قبل المتلقّي، ذلك أن أي أثر فني يغرّد خارج السرب، يجعل صاحبه من “أهل البدعة والضلال”، ولا يجوز الأخذ به على محمل الجد إلا بعد جملة محاكمات وتمحيصات تاريخية وأخلاقية، تمنح سرديته مشروعية قد يصعب الحصول عليها في حال “لم يجدوا آباءهم وأجدادهم على سننها سائرين”.

أهل النخبة ـ وفي أحيان كثيرة ـ أشد قسوة من جمهور العامة في تقييم ومحاكمة الأعمال الإبداعية، ذلك أنهم يضعون أنفسهم في نصاف الأوصياء، كنوع من “الجمرك الثقافي” قبل طرح “البضاعة” للاستهلاك المحلي في الأسواق.

ومن هنا يأتي سؤال “التأشيرة الإبداعية” كأصعب وأحرج ما يمكن أن يواجهه المثقف المبدع من المثقف الناقد، والذي يتحوّل بدوره إلى رقيب منزوع المخالب في بعده التنفيذي، لكنه شديد التأثير على الجمهور المتلقّي، باعتباره اكتسب سلطة معنوية مؤثرة قد تدمّر أي منتج ثقافي طريّ العود، ويحاول التأسيس لمجرى إبداعي خارج السائد والمألوف.

ما معنى “لجان التحكيم” في الحقول الإبداعية؟ هل ثمة ضوابط يمكن الاحتكام إليها وجعلها مسطرة دقيقة تفصل بين الغث والسليم، وتُفاضل بين المبدع والمدّعي؟ وحتى هذا الأخير، هل من قانون يحرمه من “ادعاء” أن ما يأتي به هو شكل من أشكال الإبداع الذي يلتقي في مجمل تعريفاته عند مقولة مفادها “الخروج عن السائد والمكرر والمستهلك”؟

متاهة التقييم في المجالات الأدبية والفنية هي ـ في حقيقة أمرها ـ شكل من أشكال التعسف، ومحاولة إحلال رأي، رأيا آخر، باسم تقويم الذائقة والحفاظ عليها من الشطط والابتذال والانحراف.

أين الحدود الفاصلة بين الوصاية الفنية والاحتضان الإبداعي؟ أين الشك من اليقين بين رقابة إبداعية، وأخرى تعسفية، تمارس سلطتها باسم رعاية الذائقة وحمايتها، في حين أنها تمارس نوعا من الدكتاتورية الثقافية والاجتماعية، وحتى السياسية في الأنظمة الديمقراطية القائلة بالإنصات للأغلبية والأخذ برأيها؟

نظرة فاحصة وقراءة ماسحة لكل ما مرت به التجارب الإبداعية التي أثبتت الآن مشروعيتها، تؤكدان بأن مثل هذه التجارب قد تعرضت في حينها لاضطهاد لا يطاق على جميع الأصعدة الفكرية والاجتماعية والسياسية، لكنها صارت اليوم تمارس نوعا ممّا بات يُعرف بـ”دكتاتورية البروليتاريا” في الأنظمة الشمولية.

من عانى واشتكى من “أقليته” في الأمس صار يعربد ويمارس الإقصاء باسم “أكثريته” اليوم، متجاهلا في ذلك حركة التاريخ في قول الشاعر الأندلسي أبوالبقاء الرندي “هي الأمور كما شاهدتها دول.. من سره زمن ساءته أزمان”.

الإبداع ـ ولكي يستمر كسنّة الله في خلقه ـ يحتاج إلى مدعين ومشاكسين ومتمرّدين.. إنه يحتاج إلى ضحايا ومتضرّرين كما يحتاج إلى”قساة ومتزمّتين” ليثبت جدارة فتوحاته وتحولاته، إذ لا رأي يسود دون مقارعة رأي يستشرس في الدفاع عن نفسه.

Thumbnail

عانت القصيدة العربية من تاريخ طويل يبكي على الأطلال ويحاور رماد الخيام المهجورة، إلى أن جاءت حوليات زهير بن أبي سلمى في تمجيدها للسلام المستحيل، ومن بعدها بعقود، جاء أبونواس لينسفها ويسخر منها حتى استقر أمرها اليوم، على قصيدة النثر ورائدها محمد الماغوط.

الأمر ينطبق على موسيقى عبده الحامولي، أواخر القرن الـ19، ثم أدوار سيد درويش بدايات القرن العشرين ثم جاء محمد عبدالوهاب ومن بعده بليغ حمدي، فموسيقى الرحابنة ومن جاء بعدهم من المغامرين.

قس على ذلك في الفن التشكيلي، والمسرح والسينما، وغير ذلك من الفنون التي لم تعد تطرب إلا أصحابها الذين رحلوا.. لا عفوا، لم يرحل عشاقها بعد، وفي ذلك سرّ عبقرية روّادها في القدرة على الاستيعاب والرغبة في التجاوز كثنائية تقارب بين فيزياء نيوتن وفيزياء آينشتاين، ضمن حقل معرفي إبستيمولوجي، لا يفرق كثيرا بين العلم والفن.

السائد والمكرّس اليوم، هو ذاك الذي كان مشكّكا فيه بالأمس، وناضل أصحابه لأجل فرضه وهم يجدّفون عكس التيار، آنذاك، وكذلك على مبدعي اليوم أن يفعلوا ما فعل أسلافهم مثل أنبياء كانت تضطهدهم أقوامهم وتكفّرهم باسم الحفاظ على إرث الأجداد ومعتقداتهم.

كل ما تقدّم من تأكيد على أهمية حضور روح التمرّد، والقطع مع الماضي في الفعل الإبداعي، لا يمكن له أن يتجلى إلا في النزعة الفردية الباحثة عن الخلاص ضمن ملحمية لا تحققها إلا الشخصية المنفردة والمتفردة فعلا وقولا وفكرا.

كاذب وواهم من يعتقد أن الإبداع الإنساني منوط بالجماعة في مفهومها القطيعي الذي تنظّر له الأيديولوجيات الشمولية ذات اللغة التعبوية المضللة، ذلك أن التفوق فردي وإن أنجزته ـ أو أشرفت على إنجازه ـ المجموعة، ضمن ورشات إنتاج يقودها مفرد في صيغة الجمع.

المونودراما، مثلا، فن مسرحي يؤديه ممثل واحد (أو ممثلة واحدة) على الخشبة ضمن وحدتي الزمان والمكان، بأصوات متعددة وفي شخصيات مختلفة، وذلك على عكس الاعتقاد السائد الذي شوهته وزادته ضبابية والتباسا، تلك النماذج المكرسة اليوم، والتي تحضر لرواية النكات والقفشات، ضمن ما اصطلح على تسميته بـ”الستاند آب كوميدي”.

وبصرف النظر عن جذور هذا الفن الذي يأخذ مشروعيته من تعاليم أرسطو وأجداده الإغريق في عالم التراجيديا، ويمتد إلى ما قبله من أساطير تتناول الشخصية التراجيدية وملحميتها، فإن غايته هي التأكيد على غربة الذات الإنسانية ومواجهتها لقدرها على مسرح الحياة ضمن أسئلة وجودية حارقة.

لم يأت قدماء اليونان بجديد، ولا كذلك فعل من بعدهم منظّر المسرح الملحمي الألماني برتولد بريخت (1898ـ 1956) رائد التغريب والإلهام، وكسر الجدار الرابع، لكن في الأمر تأكيدا مستمرا على غربة الإنسان، ومواجهته وحيدا لمصيره أمام جملة قيم أراد كل واحد من المسرحيين الذين جاؤوا بين أرسطو وبريخت، أن يأخذها نحو أهوائه ورياح عصره.. من الرومانسية الممجّدة للفرد إلى النزعات اليسارية القائلة بمقولة الالتزام والاستفادة من نرجسية الذات لأجل الذهاب بها نحو النفعية الجماعاتية.

ومهما يكن من أمر، فإن قطار الإبداع البشري يمضي، عبر التاريخ، غير آبه بمن ركبه أو لم يركبه من نزعات، مؤكدا مقولة مفادها أن المعنى في قلب الشاعر.. ومن أراد ملء الفراغات وتجييرها حسب أهوائه ومصالحه فليفعل، أو يعترض أو يصمت.. لكن قطار الإبداع يمضي ولا يهمّه المسافرون، ولا حتى المحطات.

10