الإبداع والمبدعون والفوضى الثقافية

هناك مجتمعات عربية تؤكد دوما قدرتها على الإبداع الثقافي، رغم تجاهل الدوائر الثقافية في معظم الأحيان لتنمية هذا الشعور.
الأحد 2018/11/18
لوحة ياسر أبوالحرم

يعيش العالم العربي حالة من الفوضى الثقافية فقدت فيها منطلقات أساسية للإبداع الأدبي الجيد، كما تسود ثقافتنا حالة مرضية توهم كل من يصيغ جملة أدبية بأنه أديب مبدع، ومع غياب النقد ازدادت حالة الفوضى، فضلا عن عدم تفريق المؤسسات الثقافية المختلفة بين الفوضى والحرية الثقافية، وهو ما يعني أنها لا تمتلك منهجا تصمم من خلاله استرتيجية ثقافية تتحرك في ضوئه أنشطة المشهد الثقافي برؤى مختلفة محققة نوعا من التكاملية بين تلك الأنشطة لتكوين حالة الإبداع، وهكذا تتسع دائرة الاجتهاد الثقافي للقائمين على الأنشطة في غياب التخطيط الثقافي العام، حتى أصبح هذا الاجتهاد نفسه مشكلة أدت إلى فوضى غاب فيها الإبداع، الذي وجب علينا محاولة تحديد مفهوم واضح له، فلعل في مفهومة يكمن الحل.

يشمل المفهوم العام للإبداع الثقافي أي ابتكار غير مادي يخلقه الإنسان، بحيث يشمل مجموعة من السلوكيات التي تتبناها مجموعات من الشعوب، تترسخ من خلال تمريرها على الآخرين ضمن المجموعة أو خارجها. كما يتم تمريرها إلى المجموعات والأجيال المستقبلية.

من المعروف أن إحدى طرق نشر الإبداع الثقافي هي الانتقال الثقافي، أي اتخاذ وسيلة يتم بها مشاركة أفكار ثقافية محددة مع الآخرين حتى تصبح واقعا ثقافيا. فالأشخاص ذوي المكانة في المجتمع يلعبون دائما دورا مهما في تحديد ما يتم اعتباره واقعا ثقافيا. ويمتلك مثل هؤلاء الأشخاص أنواع المعارف التي تساعد في نقل الأفكار بأسلوب مقبول لدى المجتمع، ومن خلال هذا الأسلوب يمكن أن تصبح الإبداعات الثقافية واقعا ثقافيا.

هناك مجتمعات عربية تؤكد دوما قدرتها على الإبداع الثقافي، رغم تجاهل الدوائر الثقافية في معظم الأحيان لتنمية هذا الشعور، مما يدفع الأفراد للقيام بدورهم دون الحاجة لدعم المؤسسات في سبيل تجديد الحلول المعهودة، واكتشاف وتنمية القدرات الإبداعية لدى الإنسان العربي.

ولقد حاول العديد من المفكرين العرب تحديد مفهوم دقيق للإبداع الثقافي من وجهة نظر عربية، ومن أبرزهم "أنور عبد الملك" الذي رأى أن مفهوم الإبداع الثقافي تطور تطورا ملحوظا بقدر تطور المجتمعات ذاتها، وخاصة من حيث قوتها وقدرتها على النمو الاجتماعي، وأنه حتى عهد قريب كان المفهوم ينحصر في نطاق المغايرة والندرة، ذلك أن العديد من مثقفي العرب قبلوا النظرة والمفاهيم الاستشراقية حوله، فأصبح الإبداع الثقافي يكاد يماثل "البدعة".

كانت نقطة التحول في إعادة صياغة مفهوم الإبداع الثقافي من وجهة نظر "عبد الملك" إنما هي في تأصيل الثقافة، وتأكيد خصوصيتها في مختلف المجتمعات. ومن هنا برز مفهوم "الثقافة الوطنية" مواكبا لحركات التحرر والاستقلال، وقد اتسع ذلك المفهوم بحيث انتقل من تأكيد السيادة في مجال القرار الثقافي إلى التركيز على معالم الخصوصية القومية في مختلف قطاعات الثقافة الشعبية.

لقد ظن عالم الإنسانيات "آلن هانسن" أن الغرض من دراسة الإبداع الثقافي لم يكن بهدف اكتشاف أنظمة المعتقدات الثقافية المختلفة، ولكن معرفة كيف أصبحت الإبداع الثقافي مقبولا كقيمة أصلية ضمن المجتمعات الإنسانية. ويبدو أن هذا المفهوم رجعيا بعض الشيء فهو من وجهة نظر النقاد يعتبر الإبداع الثقافي عملية تؤدي إلى تكون شيء أصلي ومقبول على نطاق كبير يقوض تقاليد الأشخاص من السكان الأصليين، بالإضافة إلى التشكيك في سلطتهم على ثقافتهم.

على أية حال، فأنه خلال الثلاثة عقود الأخيرة، اتسع مفهوم الإبداع الثقافي، بحيث أصبح يشمل القاعدة الاجتماعية الواسعة من جماهير الشعب في المدن والقرى جنبا إلى جنب مع فئات المثقفين المتخصصين.

ولم يعد المفهوم مقصورا على الإنتاج الثقافي المحدد، وإنما راح يجمع طاقات وإمكانات تلك القاعدة الشعبية، فأصبح الإبداع الثقافي يضع مسألة تقييم عملية الإبداع في مكانة الصدارة.

وكما يذكر الدكتور "أديب مقدسي" فلابد للأدب حتى يصبح مشروعا ثقافيا مؤثرا أن يكون انعكاسا فنيا للوعي والممارسة، وليس مجرد تنسيق كلمات وأفكار عقيمة، إنما القدرة على خلق اتجاهات وترك ترسبات.

10
مقالات ذات صلة