الإبداع والمكان

السبت 2017/03/04

لعل من أكثر الموضوعات التي نالت اهتماما استثنائيا في الدراسات النقدية والبحوث الأكاديمية، هو المكان، حيث تم تناوله وتأشير حضوره وتأثيره في جميع مجالات الإبداع وعناوينه، كما تم تناوله في جميع العصور والثقافات والحضارات الإنسانية.

ولو حاول أي شخص مهتم بالإبداع وضع المكان موضع بحث، لوجد عددا كبيرا جدا من الدراسات والبحوث، الموضوعة والمترجمة التي تناولت المكان في الإبداع تحديدا، بحثا وتقصيا.

غير أن المكان في مجالات الإبداع، في الشعر والسرد والتشكيل، ليس هو المكان الواقعي، وإنما هو ما يبدعه الفنان، شاعرا كان أو روائيا أو تشكيليا، من خلال تفاعل كيمياء التجربة الثقافية والحياتية والمخيلة والذاكرة ومؤثرات اللحظة التي يبدع فيها ما يظنه وصفا للمكان.

لذا لو رصدنا ما يقال عن مكان واحد من قبل اثنين من الشعراء، أو ما رآه اثنان من الرسامين، لوجدنا اختلافا بين الرؤيتين، وعلى سبيل المثال، إن ما قاله لوركا عن نيويورك “انظروا القناع الهائل، رمال وتماسيح، وخوف ينثر فوق نيويورك”، وما قاله هنري ميلر “نيويورك، إنها الجحيم المتجمدة، الوحدة القاتلة والقذارة”.

فكل منهما رأى نيويورك، ليس كما هي، ولا على حقيقتها، بل كما كان يتمنى أن يراها في اللحظة التي كان يحاول أن يصفها، وكانت لكل منهما رؤيته.

وعلى صعيد الرسم، يمكن أن نستشهد بالعشرات من الأمثلة، فالمغرب الذي رآه ديلاكروا هو غير المغرب الذي رآه ماتيس، وبغداد جواد سليم غير بغداد حافظ الدروبي، فلكل من هؤلاء الرسامين رؤيته التي يتجاوز من خلالها المكان واقعا إلى المكان إبداعا، حيث المبدع والواقع كل منهما يؤثر في الآخر، فيكون الإبداع.

إن المكان في الإبداع، ليس الشواخص، قديمة كانت أم حديثة، تراثية أو معاصرة، والتي تصل إلى المتلقي من خلال الوصف، كما يفعل معدو النشرات السياحية، بل هو مجمل خصوصيات المكان التي يتعامل معها المبدع، لذا نرى أن المكان في الإبداع ليس هو المكان في الواقع.

إن جيكور، ندركها في قصائد السياب كفردوس سماوي، لكننا مع هذا الإدراك، نتعرف عليها بأناسها ونخيلها، حتى كأننا نعيش فيها، وكذلك هو بويب، ذلك النهر الصغير، بقدر ما يظل في القصيدة يحتفظ بصورته في الواقع، لكن في الوقت ذاته يكون صدى لعوالم ساحرة، فيكون وجها آخر لبحار الأساطير أو كأنه نهر من أنهار الجنة، وكذلك هي غرناطة لوركا أو قرى جنوب تشيلي في قصائد بابلو نيرودا، فالمتلقي يرى ألوانها وسمات أناسها ويشم روائحها، لكنها تنفلت في تحولاتها، من صورتها في الواقع إلى صورتها المتخيلة في النص الإبداعي.

إن بغداد في كل ما كتب عنها إبداعيا أو في محاولات التشكيليين لتجسيدها، تظل دائما أكبر من هذه المحاولات، وقد نراها على غير ما رآها من سبقنا، وهي تضعنا دائما على مشارف مستقبل أراه جميلا وثري العطاء، فليست بغداد التي أراها هي مدينتي المدهشة فحسب، وإنما هي لحظة تاريخية أرى فيها الحياة التي أحلم بها، وأتمنى أن أعيشها، إذ كلما كتبت قصيدة، غافلتني واقتحمت قصيدتي وانتشرت بين مفرداتها وإيقاعاتها.

وما أشرت إليه بشأن بغداد يصح على المكان حيث يحاول المبدع أن ينتقل به من الواقع إلى الإبداع، وما ألاحظه أحيانا، حتى في النصوص الرحلية التي تكون أكثر قربا من الواقع الموضوعي، أجد أن المكان الذي عرفته في الواقع هو غيره في النص الرحلي، لأن الفن هو الذي يبدع المكان فهو يتمثله ولا يصوره فوتوغرافيا.

كاتب من العراق

16