الإبداع والمنفى

الجمعة 2015/06/05

كتبت الناقدة المفكرة جوليا كريستيفا مرَّة أن “عصرنا الحاضر هو نوع من المنفى” ثم استطردت متسائلة “كيف يستطيع الفرد تجنب الغرق في وحل الحسّ المشترك إذا لم يصبح غريبا أمام وطنه، ولغته، وجنسه وهويته؟” تعتبر كريستيفا المنفى أيضا شكلا من أشكال الانشقاق الذي يعني “سلخ الفرد لنفسه عن العائلة، وعن البلد أو عن اللغة”.

رغم أن المنفى “يقطع كل الصلات” ولكنه، كما ترى كريستيفا، “هو طريقة للبقاء حيّا في وجه الوالد الميّت، وأنه المقامرة مع الحياة التي تعطي معنى لها وهو الرفض بعناد للاستسلام لقانون الموت”.

وفي مكان آخر من مقالها المكتنز “زمان النساء” الشهير بين أوساط الحركة النسوية في العالم الغربي كتبت هذه المفكرة أن “الكتابة مستحيلة من دون بعض نوع من المنفى”.

ماذا يعني هذا بالضبط؟ إنه يعني أن الكتابة الإبداعية في حاجة ماسة ودائما إلى خلق مسافة فاصلة مع تقاليد الكتابة الموروثة وإلى نقطة ارتكاز جديدة للنظر منها لكي يسهل إدراك هذا الموروث بعيدا عن عادة الإغلاق عليه في صناديق عواطفنا التي تلتصق به غالبا وتجعلنا جرّاء ذلك الالتصاق لا نراه، ومن ثمّ نقع فريسة إعادة إنتاجه وتكراره بشكل نمطي ودون وعي منّا في كثير من الأحيان.

لا شك أن المنفى يغزو الإنسان عندما يفشل في الانخراط في عملية ديالكتيكية، ينتج عنها عالم يكون بديلا مناقضا يكسر الأشكال المتنوعة من المنافي القاسية على الروح.

ومن دون أدنى ريب فإن الناقدين ليون غرينبورغ وروبيكا غرينبورغ ، اللذين كرسا جزءا كبيرا من حياتهما في تشخيص دراما تجربة المهاجر والمنافي وتأثيرها السلبي على طمس أو خلخلة الهويات، كانا على حق في قولهما بأن: المهاجر بحاجة إلى “المكان الممكن” الذي يخدمه كـ”مكان انتقالي” وكـ”زمان انتقالي” أي المكان الممكن الذي يحوي إمكانية تحويل الهجرة إلى لعبة معيشة بكل جدية، أما إذا انعدم وجود هذا المكان، فإن التصدّع يحدث في علاقة الاستمرارية بين المحيط والذات.

وكما هو معروف فإن نظرية “المكان الممكن” هي من اختراع المفكر والمحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوط في سياق بحثه عن الحلول للمشكلات النفسية المعقدة التي تنشأ عن النمو غير السويّ للطفل.

في هذا السياق يصحّ القول بأن الفشل في بناء المنفيّ أو الشاعر للفضاء الممكن أمر يجعل المنفيّ في مهجره أشبه بالطفل الصغير المحروم من أدوات اللعب التي توفر له إمكانية “تشكيل الرموز”، ويجعل الشاعر أيضا عاجزا عن التوسط بين الرمز والمرموز له وإجراء عملية التأويل وابتكار لحظة الإبداع باعتبارها الفضاء الذي نكون فيه أحياء كبشر، كما يقترح المحلل النفسي الأميركي المعاصر توماس أوجدن.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15