الإبراهيمي جزء من المشكلة لا الحل

الجمعة 2014/02/28

ما إن تم تكليف الأخضر الابراهيمي من طرف الأمانة العامة للأمم المتحدة بمهمته في سوريا حتى أبدى الرجل ترددا في قبول التكليف، فلما خرج ببطء من تردده وقبل بمهمته على ما يشبه المضض، فقد سارع للإعلان بأنه يشك في نجاح مهمته، وأنه لا يعلق آمالا كبيرة على المهمة. هذا الاستهلال طبع في ما بعد مهمة الرجل بهذا الطابع السكوني الذي يفتقد إلى الدينامية، ويضع مسافة كبيرة بين الأمم المتحدة والشعب السوري، خلافا للدور المنوط بالمنظمة الدولية بإحلال السلام والأمن للشعوب ونبذ العنف وتحميل من يرتكبونه المسؤولية.

مع ذلك فقد قوبل تكليف الدبلوماسي العربي المخضرم بالترحاب عربيا ودوليا، واحتضنت الجامعة العربية مهمته وأصبح مبعوثا عربيا ودوليا في الوقت ذاته. وهو ما شحن مهمة الرجل في البداية بطاقة كان يفتقدها، ونجح منذ زيارته الأولى إلى دمشق في اعتماد مقاربة تقوم على أهمية انبثاق سوريا جديدة تلبي مطامح الشعب السوري، وكان من شأن هذه المقاربة الصائبة، لو تم المضي فيها، أن تشيع مناخا إيجابيا يقود إلى الضغط على الحكم في دمشق، كي يكف عن إبادة شعبه.

في تلك الظروف تقدم الابراهيمي بمقترحه من أجل إنشاء حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في سوريا تقود إلى إحلال الديمقراطية في هذا البلد. ولاشك أن هذا الاقتراح شكّل أفضل توجه للأمم المتحدة والجامعة العربية، رغم ما يعتريه من نقص في تسمية المعتدين على شعبهم وتحميلهم المسؤولية عن جرائمهم المشينة والجسيمة.

لم يجد الابراهيمي قبولا من موسكو وبكين لمقترحه، وبدا مجلس الأمن عاجزا عن إصدار أي قرار ينتصر لحق السوريين في الحياة والحرية والكرامة، وهو ما جدد تسعير حرب الإبادة التي مضى الحكم بدمشق في ارتكابها متمتعا بغطاء دبلوماسي من الخارجية الروسية. وبينما وافقت موسكو على بيان جنيف1 الذي يستند إلى مقترح الابراهيمي حول الحكومة الانتقالية، فقد عمدت موسكو إلى تفريغ المقترح من محتواه بما أبدته، من دعم لنظام دمشق الذي يرفض تقديم أي تنازل لشعبه.

وكان للتطورات اللاحقة المتمثلة بتسلل متزايد لجماعات إسلامية متطرفة تنهج نهج النظام نفسه وبإمكانيات أقل وبوتيرة أضعف، أن دفعت واشنطن للحماسة إلى “الحل السياسي”، ووجدت موسكو في ظهور هذه الجماعات ضالتها في سعيها لخلط الأوراق، ووحدت خطابها السياسي والإعلامي مع دمشق بتصوير الأزمة السورية على أنها نتيجة لنشاطات جماعات إرهابية. أما النظام فلم يرتكب شيئا يستحق مؤاخذته عليه منذ 15 مارس 2011 باستهداف المدنيين وتهجير ملايين السوريين.

ما بدا أنه تقارب بين موسكو وواشنطن في الحذر من الجماعات الإسلامية أو أهمية التوجه إلى حل سياسي، وجد فيه الابراهيمي ذريعة للتخلي عن مقاربته الأولى القائمة على تلبية تطلعات السوريين، فبات جلّ الجهد وغاية المنى تقريب وجهات النظر بين موسكو وواشنطن، وهو أمر أقرب إلى الاستحالة؛ فموسكو تؤيد النهج الاستئصالي للنظام وتعتبر استمرار هذا النظام ضمانة لاستمرار نفوذها في دول المشرق، ولا ضير خلال ذلك لو تمت إبادة الشعب السوري. أما الحل السياسي في عُرف موسكو فهو نفسه الحل السياسي الذي يرتئيه الحكم في دمشق والقائم على ضم وزراء من المعارضة إلى حكومة موسعة، وتنظيم انتخابات رئاسية يفوز فيها الأسد كما يصل بها مؤيدوه إلى البرلمان.

لم يكن لدى الابراهيمي ما يفعله إزاء هذا الاستعصاء سوى السعي إلى تنظيم جنيف2 عسى أن تجدد كل من موسكو وواشنطن العزم على بلورة حل سياسي، رغم انتفاء وجود أية بوادر على قبول موسكو لحل سياسي يرتضيه السوريون.

لقد واظبت موسكو على كسب الوقت وعلى السعي المسعور لكسر شوكة الشعب السوري بتدمير مدنه بصواريخ وطائرات روسية وتهجير الملايين منه، وعلى التشكيك بالمعارضة وصفتها التمثيلية. كل ذلك دون أن يتسلل اليأس إلى نفس الابراهيمي الذي كان يمني النفس بالتقاء مصالح واشنطن وموسكو عند نقطة ما تسمح بإخراج الحل السياسي إلى النور. ولم يكتف الابراهيمي بهذا الموقف الانتظاري الذي يكبّد السوريين المزيد من الدمار والتقتيل، إذ عمد إلى تحبيذ مشاركة إيران في جنيف2 وأبدى حماسة لذلك رغم إدراكه أن طهران تخوض من جانبها، وكتفا إلى كتف، حرب النظام على شعبه. ورغم أن طهران لم تبد مرة واحدة احترامها أو التزامها ببيان جنيف1. ولاشك أن الابراهيمي هو من كان وراء توجيه الدعوة إلى طهران، قبل أن يقوم بان كي مون بنفسه بسحب الدعوة قبل يومين من انعقاد المؤتمر.

ليس هناك من تفسير لحماسة الابراهيمي لمشاركة طهران سوى اعتماده لذلك الموقف المبسط القائم على طمأنة النظام في دمشق ومحاولة جمع جميع الأطراف على مائدة واسعة عسى أن يؤدي ذلك إلى تنازلات متبادلة، مع التغافل عن كون طهران بصدد التقدم بخطوات متلاحقة نحو اجتياح سياسي ومذهبي لدول المشرق، بالاستناد إلى إفلات النظام الحليف في دمشق من أي عقاب، وبالاعتماد على الجموح المذهبي للمالكي في بغداد، وعلى السيدين حسن نصر الله ونبيه بري في بيروت. وأن طهران معنية بأمر واحد وهو بقاء النظام في دمشق بأي ثمن ودعمه بأربعين ميليشيا طائفية عراقية ولبنانية، أما الشعب السوري “السني” فلا يعنيها في شيء.

بقيامه بدور الوسيط المباشر بين الحكم والمعارضة في جنيف2 فقد تخلى الابراهيمي عن مقاربته حول حق الشعب السوري في تلبية تطلعاته. قام بدور تقني يقوم على جمع مطالب الفريقين معا وقسمتها على اثنين، وبالاعتماد على أن ما يجري في سوريا هو نزاع مسلح يجب وقفه بمساعدة المجتمع الدولي. وهذه رؤية قاصرة من شأنها تعويم النظام الذي يفتك بشعبه وتوزيع المسؤولية عن العنف بين هذا النظام وبين المعارضة.

هل كان أمام الابراهيمي خيار آخر؟ الجواب: نعم. كان بوسعه التخلي عن مهمته ورفع تقرير نزيه يفيد أن موسكو، بالدرجة الأولى، ثم بكين بالدرجة الثانية يدعمان حرب النظام على شعبه ويمنعان التقدم إلى حل سياسي ذي معنى في سوريا، وأن النظام مسؤول عن تفشي العنف. وأن إنقاذ الشعب السوري هو مهمة عاجلة على المجتمع الدولي المبادرة بها.

لكن الرجل لم يفعل ذلك وهو ماض في تقطيع الوقت، وفي تمديد الفرجة على محنة الشعب السوري.

كاتب أردني

8