"الإتيكيت" والمعتقدات يصعبان الحياة على الأعسر

الضغوط التي يمارسها الآباء على الأعسر لإجباره على استخدام اليد اليمنى بدلا من اليسرى، تسبب له تمزقا في مشاعره الداخلية ممّا يفقده الثقة بالنفس.
الثلاثاء 2015/09/29
الأعسر يمتلك مؤهلات تجعله يخرج عن المألوف

لم يكتشف الخبراء سببا علميا مقنعا يدعو إلى القلق من استخدام العديد من الأشخاص لليد اليسرى في قضاء معظم شؤون حياتهم اليومية بدلا من اليمنى، ومع ذلك لا تتقبل الكثير من الأسر فكرة وجود طفل أعسر بين أفرادها، فتدربه بشتى الطرق على استعمال يده اليمنى وأحيانا تجبره على ذلك، ولكنها في غالب الأحيان تفشل في تلقينه كيفية الانحياز للجانب الأيمن، لأن ذلك خارجا عن إرادته.

وتشير الإحصائيات الحديثة إلى أن حوالي 10 بالمئة من سكان العالم يستخدمون اليد اليسرى، منهم حوالي 13 بالمئة من الرجال و11 بالمئة من النساء.

ولا يمتلك العلماء إلى حد اليوم تفسيرا علميا دقيقا حول أسباب استعمال بعض الأشخاص لليد اليسرى بدلا من اليمنى، ففي الوقت الذي أرجعت فيه بعض الأبحاث الأمر إلى الجينات، فإن أبحاثا أخرى تستبعد أن يكون ذلك وراثيا بالضرورة.

ورغم أن الأبحاث الجديدة رجّحت أن المهام التي نقوم بها، يتحكم فيها نشاط المخ إلى حد كبير، فهو المسؤول بدرجة أولى عن تشغيل اليد اليمنى واليسرى والعيون والأقدام أيضا.

وأكدت أن مركز المنطقة المسؤولة عن الكلام وتناسق الحركات نابع من القشرة المخية، التي عادة ما تكون متطورة بشكل كبير في النصف الكروي الأيسر من المخ لدى من يستخدمون اليد اليمنى، فيما تكون هذه المراكز متطورة أكثر في النصف الكروي الأيمن للمخ لدى 70 بالمئة من مستخدمي اليد اليسرى. وأشارت إلى أن التواصل الذي يحدث بين نصفي المخ لدى الشخص الأعسر أكثر سهولة من الذي يحدث لدى الشخص “الأيمن”.

50 بالمئة من مستعملي اليد اليسرى ينتمون إلى المشاهير والسياسيين

ولكن ما توصل إليه العلماء في هذا الشأن، لم يذلل الصعوبات التي ما زال يواجهها إلى اليوم الأشخاص العسر، إما بسبب بعض المعتقدات المتوارثة أو بدافع الإتيكيت التي فرضت على المجتمعات تقسيم وظائف عمل اليدين وحركاتهما.

وتبدو مسألة الأكل باليسرى خاصة في بعض الدول العربية والإسلامية، أكثر إثارة للجدل بين العلماء ورجال الدين، فقد وصل الأمر حد وضعها في منزلة المحرمات، وهو ما يجعل العديد من الأسر تلجأ إلى اعتماد أساليب ردعية قاسية لإجبار أطفالها على التخلي عن عادة الأكل باليسرى.

أما خبراء الإتيكيت في المجتمعات الغربية، فينظرون إلى الأكل باليمنى على أنه مخالف للذوق العام، ومن المعيب عدم اتباع ما اصطلح عليه المجتمع من آداب في تناول الطعام.

والذوق السليم من وجهة نظرهم هو مسك الشوكة باليد اليسرى والسكين باليد اليمنى وحتى بعد القطع يجب أن تظل الشوكة في اليد اليسرى ولا تنقل لليد اليمنى، وهذا الأمر قد يصعّب على الأعسر الذي لم يتعود على القطع باليد اليسرى أو الأكل باليد اليمنى.

ومهما يكن من أمر فإن انزعاج الآباء من استخدام أبنائهم الصغار اليد اليسرى يسبب لأطفالهم تمزقا في مشاعرهم الداخلية، وتفقدهم الضغوط المفروضة عليهم لاستخدام اليد ثقتهم بأنفسهم.

وأشارت أجنيس فورستهوفر، رئيسة الجمعية الألمانية للعُسر إلى أن المجتمع الألماني ظل حتى ثمانينات القرن الماضي ينظر إلى الأعسر على أنه يعاني من مشكلة مرضية ويحتاج علاجها إلى إعادة تقويمه تربويا.

10 بالمئة من سكان العالم يستخدمون اليد اليسرى، منهم حوالي 13 بالمئة من الرجال و11 بالمئة من النساء

ونبّهت إلى أن الأعسر شخص طبيعي ولا يختلف عن غيره في الذكاء والقدرات، موضحة أن الأبحاث الحديثة برهنت على أن إعادة تقويم الأطفال العسر ليستخدموا اليد اليمنى، قد خلق لديهم مشاكل في التواصل الاجتماعي، وأضعف قدرتهم على القراءة، وتسبب في إضعاف مستوى التحصيل العلمي لديهم بشكل عام.

وأظهرت الأبحاث الحديثة أن اليد اليسرى لها السبق في المباغتة عند النزال، وهذا يعني أنها أفضل في الرياضات الهجومية، وأكدت أيضا على حيازة الأعسر مزايا للخروج عن المألوف.

وأوضح سيباستيان يوتسي، المتخصص في علم الأحياء، أن الشخص الأعسر يتمتع بمزايا إضافية في بعض أنواع الألعاب الرياضية مثل التنس والملاكمة ممّا يساهم في تميزه، وهذا يعزز من فكرة أن الشخص الأعسر أكثر إبداعا ونجاحا. ودعا إلى ضرورة توفير المنتجات المناسبة لمن يستخدمون اليد اليسرى، كالمقص وحافظة النقود وقلم الحبر المناسب لمساعدة الأعسر على أداء مهام الحياة اليومية بشكل أيسر.

ورغم أن مستعملي اليد اليسرى يشكلون أقلية في أي مجتمع، إلا أنهم يصلون إلى حدود 50 بالمئة تقريبا من عدد المشاهير والسياسيين، وهم غالبا من الفئة الأكثر تميّزا وإبداعا.

ومع ذلك لا تبدو الصورة عنهم وردية في العديد من المجتمعات، وأبسط مثال على ذلك أن التجهيزات التي يستخدمها العمال تصمم عادة من قبل أشخاص يستخدمون اليد اليمنى لأشخاص مماثلين لهم دون مراعاة الذين يستخدمون أيديهم اليسرى، ولا يمثل داء الإجهاد العصبي المتكرر سوى جزء بسيط من معاناة الشخص الأعسر.

21