الإثنية وحش فاتن بدأ يحكم الأرض

الأحد 2016/07/24
فكرة ولغة وثقافة ووهم يسيطر على العقول

أبوظبي - “لا بد وأن أحدهم قد أساء لجوزيف ـ ك. لأنه ودون أن يرتكب أيّ ذنب اعتقل في صباح جميل”. فرانز كافكا من المحاكمة.

بكلمات كافكا تعثر سابين ل غولز، أستاذة الأدب المقارن واللغة الألمانية في جامعة آيوا، على مفاتيح بحثها، الذي يذهب عميقاً في ملف الإثنية. واليوم إذ تقترب كلينتون من البيت الأبيض من جديد، لتنضم إلى تيريزا ماي التي صعدت إلى قمة الحكم في بريطانيا، بعد ميركل المستشارة الألمانية، يبدو النساء وكأنهن قد حكمن الكوكب. ومن وعي المرأة بذاتها، أتناول الإثنية من خلال امرأة تتحدث عن هويتها بنفسها. وتفكك في إثنيتها، لتروي كيف اكتشفت من هي؟

مفهوم الإثنية ظهر للتحايل على الدلالات اللغوية المباشرة لمفهوم الأقلية التي تشير إلى القلة العددية. وكذلك على ميراثه التاريخي الذي يشير ولو بطريقة لا شعورية في التراث الغربي إلى مفهوم التعصّب العنصري بمعنى إعلاء شأن من يمثّل الأصل القومي والتمييز ضد من لا يمثله والتشكيك من ثمّة في صدق انتمائه.

ومنذ استخدام مفهوم الجماعة الإثنية لأول مرة في عام 1909 صار أحد أكثر المفاهيم خلافية. حيث تردد مضمونه بين التعبير عن جماعة فرعية أو أقلية. والتعبير عن جماعة أساسية أو أمّة أو الجمع بين المعنيين، باعتبار أن من الشعوب من يملك كل خصائص الأمّة ومقوّماتها وإن لم تكن له دولته المستقلة، فالجماعات الفرعية الأيرلندية واليونانية والإيطالية في المجتمع الأميركي على سبيل المثال ليست في حقيقتها، إلا أمما بذاتها وإن لم يعترف المجتمع لها بحقها في التمايز عنه من منطلق استيعابه لمختلف الأقليات وصهرهم في بوتقته، حسب مبروك بو طقطوقة.

تقول سابين ل غولز “في أحد الصباحات الجميلة وجدتني أدعى للاعتراف بإثنيتي الألمانية. استجابتي الطبيعية كانت في البحث عن مخرج. ومع ذلك، كما يتعلم المرء من قراءته لكافكا، ليس من السهل أن يحصل المرء على هكذا هروب. ولكن هل يمكن لي أن أنكر هذه التهمة وأعارض ما تستلزمه، أو هل يمكن أن أجد شخصاً يشهد لصالحي أو، وياله من أمل طائش، هل يمكن أن أبتكر سبباً مخففاً لهذه التهمة؟ بالطبع، أستطيع أن أجادل بأن أسلافي لم يكونوا ألماناً، بقدر ما هم سوابيون (سكان منطقة سوابيا وهي منطقة تاريخية في ألمانية الاتحادية الجنوبية)، أو بروسيون من سكان منطقة بروسيا وهي منطقة تاريخية ومملكة سابقة لأوروبا الشمالية الغربية وتضم اليوم شمالي ألمانيا وبولندا، أو دانماركيين، وربما كان الأمر أكثر بعداً وأعمق أسطورية، إذ يمكن أن يكونوا طلياناً أو إسباناً”.

يمكن أن نجد أفكاراً كثيرة حول الإثنية، تدعّم تفكير عديدين بحثوا فيها مثل غولز، وأحياناً تبتعد عن تعريفاتهم. فالإثنية تصنيف أنثروبولوجي يعتمد الدالات اللسانية والثقافية والبيئية أكثر من الملامح الجسدية، وحتى حين ينظر للعرق في الملامح الجسدية فهو يصنّفه بدراسة بيئية، أي بربطه بالبيئة التي اقتضت تأقلم الناس بوظائف جسدية معيّنة.

مثال لوبان

استعملت سابين ل غولز مثالاً منطقياً لتفكيك إثنيتها وذلك باستخدام مفتاح روباود، تصف هذا بالقول “ربما كان باستطاعتي اللجوء إلى التفكيك الفعال للأصل الإثني الذي طرحه جاك روباود، والذي يمكن إثباته في قوله: هل جان ماري لوبان فرنسي؟ فروباود يأخذ بعين الاعتبار المعاني الضمنية لتعريف لوبان للشخص الفرنسي بوصفه شخصا والداه فرنسيان.

تغذية الهوية الإثنية بالإضافة إلى أشكال أخرى من الهويات الجماعية الثقافية تتحول اليوم إلى ممارسة جماهيرية مرة أخرى. رغم ذلك وبعد هذا التفكيك، لم يعد بإمكان الإثنية أن تكون حقيقية. إذ عليها أن تكون شيئا مبنيا ومتعددا ومهجنا، ومتشابكا

إذا كان لوبان فرنسياً تبعاً لتعريف لوبان، فهذا يعني، تبعاً لتعريف لوبان، أن والدة لوبان ووالده فرنسيان. وهذا يعني تبعاً لتعريف لوبان أن والدة والدة لوبان، ووالد والدة لوبان، ووالدة والد لوبان دون أن ننسى والد والد لوبان فرنسيون تبعاً لتعريف لوبان.

وينطبق هذا على والدة والدة لوبان، وعلى والد والدة لوبان. بالإضافة إلى والدة والد لوبان، ووالد والد لوبان، سيكونون فرنسيين أيضاً تبعاً لتعريف لوبان. وبالطريقة ذاتها، وللأسباب ذاتها أيضا سيكون والد والدة والدة لوبان بالإضافة إلى والدة والد لوبان ووالد والد لوبان سيكونون فرنسيين أيضاً تبعاً لتعريف لوبان وبالطريقة ذاتها وللأسباب ذاتها أيضا سيكون والد والدة والدة لوبان بالإضافة إلى والد والد والدة لوبان، وينطبق هذا على والدة والد لوبان وعلى والد والد لوبان، من الفرنسيين.

وتبعاً للتعريف الصادر عن لوبان الذي يمكن للمرء أن يستنتج من خلاله دون أيّ متاعب ودون معونة من لوبان نفسه، استمرار المرء لهذه المحاكمة، إما أن هناك لا نهاية من الفرنسيين الذين ومنذ فجر البدايات الأولى للبشرية قد ولدوا وعاشوا وماتوا فرنسيين تبعاً لتعريف لوبان، أو أن لوبان ليس فرنسياً تبعاً لتعريف لوبان“.

ولكن حتى لو كان روباود شاهداً موثوقاً، وحتى لو تمكنت من تقوية موقعي مؤقتاً بمساعدته، ألن تكون دوافعي وراء محاولتي أن أصنع مخرجاً موضع مساءلة؟ ألن يستخدم دافعي للهروب في تثبيت خطيئتي؟

هوية ما بعد الحرب

القاموس الجديد للتراث الثقافي الأميركي يرى أن الإثنية هي “التماهي أو العضوية في مجموعة معينة، عرقية أو وطنية أو ثقافية، عن طريق معيشة تقاليد تلك المجموعة ومعتقداتها ولغتها”. وفي الموسوعة البريطانية الإثنية هي “مجموعة اجتماعية، أو فئة من السكان في المجتمع الكبير، تتميز عن الآخرين وتترابط بروابط مشتركة من العرق أو اللغة أو الوطنية أو الثقافة”.

كلمة “اكتشاف” تشير إلى التحول في التعامل مع كلمة “إثنية”، أي أن تنتمي ويتم إدراكك من قبل الآخرين على أنك تنتمي إلى مجموعة إثنية، هو “اكتشاف”. فالمرء يشير إلى تأويل في سياق حديث وما بعد حديث

في ألمانيا (الغريبة) في فترة ما بعد الحرب، وحسبما تقول غولز، لم يكن للمرء أن ينشر “ألمانيته” في العلن. فالإعلان عن الهوية الإثنية أو العرقية أو القومية عموماً، وعن الهوية الألمانية خصوصاً، مع تغذية لهذه الهوية، كان قد أطلق الكثير من الإيحاءات المغرضة. لقد تم تلطيخ وتلويث تصنيفات البشر في العمق على الصعيدين السياسي والأخلاقي عبر هذه الوسيلة.

وعلى أساس هذه البينة تقول غولز “أستطيع أن أتوقع الآن من أن تردّدي في أن أتصرف بوصفي ألمانية، سيتم تشخيصه على أنه أكثر الأشياء الألمانية مثالية فيما يتعلق بي. كما ستوحي مقاومتي المستمرة بأن الإثم ربما كان أفدح من الاشتباه الذي تم في البداية”.

لقد أصبحت ممارسة تغذية الهوية الإثنية بالإضافة إلى أشكال أخرى من الهويات الجماعية الثقافية في السياق ما بعد التفكيكي لتسعينات القرن العشرين، ممارسة جماهيرية مرة أخرى. رغم ذلك وبعد هذا التفكيك، لم يعد بإمكان الإثنية أن تكون حقيقية. إذ عليها أن تكون شيئاً مبنياً ومتعدداً ومهجناً ومتشابكاً.

ويشير استخدام فيرنر سولورس لكلمة “اكتشاف” إلى هذا التحول في عنوان أحد كتبه “إن إطلاقنا كلمة إثنية، أي أن تنتمي ويتم إدراكك من قبل الآخرين على أنك تنتمي إلى مجموعة إثنية، هو ‘اكتشاف’، فالمرء يشير إلى تأويل في سياق حديث وما بعد حديث”.

يقدم سولورس مفهوماً للإثنية يقول “ليست الإثنية تلك القوة الضاربة عميقاً الباقية من الماضي التاريخي، بل هي أحد الملامح الحديثة والمحدثة لاستراتيجية متناقضة. فهي تميز إحساساً حديثاً مكتسباً من الانتماء يحلّ محلّ المجتمعات المرئية والمحسوسة. فهي ليست شيئاً بل سيرورة، وهي تتطلب عملاً استكشافياً مستمراً من القراءة”.

وينتقل المعنى من المجتمعات الفعلية التي ما يزال بإمكان بنيات الإثنية أن تشير إليها، إلى نشاط الرعايا الراغبين في الانتماء إلى هذه المجتمعات. وهنا تتحول الإثنية من شيء يكونه المرء إلى شيء يفعله.

ولكن ماذا إذا لم يكتسب المرء “إحساساً حديثاً بالانتماء” بل رغبة باللاانتماء، أو على الأقل رغبة في إبقاء الاحتمالات مفتوحة على اللاانتماء كمخرج طوارئ يستطيع المرء عبره أن يعطي المخبرين (المتلهفين دائماً) الزلة؟ هنا ستنتقل فكرة الإثنية من نموذج الاعتراف بالحقيقة أو إنكارها (الحقيقة الأكثر أو الأقل وضوحاً) إلى الاختيار بين صيغتين من القراءة ورغبتين فيهما. وهكذا نجد متسعاً لإمكانية اختيار اللاانتماء، وهو خيار يعتبر أساسياً.

تجربة الوطن

إن تجربة المرء في الوطن لها تتمّتها القلقة والضرورية. وهي تجربة أن يكون المرء أجنبيا. ففي العام 1977 عندما كانت سابين ل غولز في الجامعة، تروي أنها أمضت عامها الأول في الخارج، في جامعة أوهايو. حيث “كان الكثير من الطلاب يذكرون عرضاً بأنهم كانوا ألماناً. رغم ذلك كنت أعلم بأنني الطالبة الوحيدة من ألمانيا في ذلك الحرم الجامعي من بين أربعة عشر ألفا من الطلاب.

عندما حضرت مرات متتالية أمسية أدبية لإيلي ويسيل، وأداء أحد الطلاب لعرض كباريه، تكثف إحساسي بفردانيتي الغريبة. ويبدو بأن كلا الحدثين أفرداني من بين الجمهور العريض بأكمله، واعتبرا أنني الشخص الوحيد الذي يتوجهان إليه في خطابهما هذا. وفجأة ألفيت نفسي نقطة معزولة سلطت عليها الأضواء في مكان معتم امتلأ ببشر بدوا مزيفين وهامدين.

إذا كانت تلك اللحظة تمثل النزعة الجوهرية التي شعرت تبعاً لها أنني (الألمانية الحقيقية) الوحيدة بين الطلاب في ذلك الحرم الجامعي والشخص الوحيد الذي وجهت له تلك العروض، فإن ذلك الإحساس لم يمنحني الراحة. ولم تكن هي اللحظة التي جعلتني أشعر بأيّ حال من الأحوال بأنني في وطني وضمن مجتمعي.

ألمانيا الغريبة في فترة ما بعد الحرب، وحسب ما تقول سابين ل غولز، لم يكن للمرء فيها أن ينشر {ألمانيته} في العلن. فالإعلان عن الهوية الإثنية أو العرقية أو القومية عموماً، وعن الهوية الألمانية خصوصا، مع تغذية لهذه الهوية، كان قد أطلق الكثير من الإيحاءات المغرضة

وإذا ما أوّل المرء تلك اللحظة على أنها اللحظة التي أسست هوية، فإن هذه الهوية لعبت دور المعارض المطلق للهوية الجماعية. وإذا كانت هذه اللحظة تدور حول كوني ألمانية. فهي لا تدور حول كوني ألمانية بشكل إثني. ففي تلك اللحظة يقبع المرء، المكشوف تماماً والمختفي بشكل كامل وكلا الموقعين صامتان ومركزيان، وراء اللغة وقد سقطت من أيّ نظام دلالي”.

الأسماء والهوية

الجماعات الإثنية هي الجماعات التي تؤمن إيمانا ذاتيا بأصلها المشترك، ولا بد أن يكون هذا الإيمان مهمّا لتكوين الجماعة، وليس شرطا لتشكل هذه الجماعة وجود قرابة ونسب مشترك. ولكن الإثنيات في الشرق الأوسط يمكن أن تتداخل وتتشابك حسب الظروف مع الإحساس بالانتماء إلى جماعة دينية.

ومن الممتع مراقبة ملاحظات سابين ل غولز لدلالات الأسماء وما تشير إليه من أبعاد إثنية، سواء في الأدب أو في الحياة. فإما أن تحوز الأسماء التي تشير إلى الإثنية (شأن جميع الأسماء واللغة عامة) المغزى، أو أنها تفشل في ذلك، كما ترى سابين ل غولز. هذا المغزى الذي يعتمد على قراءة الناس بعضهم لبعض، إما بشكل عرضي، أو بشكل ساخر، أو بشكل كارثي. كما يعتمد على قراءة البشر لأنفسهم بمصطلحات هذه الأسماء. وعلى كيفية قيامهم بذلك، أو أنه لا يعتمد على هذه القراءة. فالطمأنينة التي تهيئها الأسماء للبعض والمخاطر التي تطرحها بالنسبة إلى البعض الآخر، تتنامى بشكل متناسب مع الإيمان “البديهي”.

تلك الأسماء “تعطي” معلومات. وتلك الأحداث “تتجمّع” مع تلك الأسماء التي يستطيع المرء، من خلالها أن يميّز المدّعى عليهم من الشهود. وبشكل معاكس، يمكن الانغماس في اكتشافات الإثنية بشكل أكثر بهجة عندما تنظر هذا الاكتشافات إلى نفسها نظرة أقل جدية. على أيّ حال، يتم تعيين مشهد الجريمة، والاعتقال والعار، في مكان آخر. وفي مكان آخر أيضاً تكمن إمكانية الضحك وإمكانية تشكيل هروب.

“نعم.. نحن ألمان” اعتاد أولئك الطلاب في أوهايو أن يقولوها. وأنا أيضاً سعيدة لأن أقول هذه الكلمات من وقت إلى آخر. ولكن في تلك اللحظات، لن تعني لي أيّ شيء. فالترجمة الإنكليزية للكلمة اللاتينية “أليبي” هي “مكان آخر” وها قد وجدت مكاني الآخر.

تجربة سابين ل غولز وتجارب أخرى غيرها في التفكير، مثال على الوعي المهجوس بالإثنية، كبرى قضايا الشرق اليوم.

7