الإجهاض: حدود ما تبيحه الضرورات الطبية وترفضه المعايير الأخلاقية

موضوع الإجهاض لا يزال يطرح الأسئلة الأخلاقية والدينية والحقوقية، ويجد له معارضين في جميع المنظومات الدينية والاجتماعية، ذلك أنه يتعلق بالتحكم في حياة كائن بشري.
الثلاثاء 2018/06/19
ثورة هادئة لضمان نقاء الجنس البشري

عبّر بابا الفاتيكان، فرانسيس الأول، عن رفضه لعمليات الإجهاض التي تتمّ بعد أن تُبيّن اختبارات ما قبل الولادة احتمال إنجاب أطفال يعانون عيوبا خلقية، مؤكدا أنها تتماثل مع المحاولات النازية لتنفيذ مشروع نقاء العنصر من خلال القضاء على الأضعف.

وقال البابا، خلال كلمته أمام “منتدى الأسرة”، وهو حركة إيطالية تمثل الأسر الكاثوليكية، مساء السبت الماضي “يجب قبول الأطفال كما يأتون، مثلما يرسلهم الله، وكما يأذن الله، حتى ولو كانوا مرضى في بعض الأوقات”. وأضاف “أُصيب العالم بأسره بصدمة في القرن الأخير جرّاء ما فعله النازيون لضمان نقاء الجنس البشري، واليوم نفعل الشيء نفسه، ولكن بقفازات بيضاء”.

وتحدث البابا عن اختبارات ما قبل الولادة، التي تُجرى لتحديد ما إذا كان الجنين يعاني من أي مرض أو تشوهات، وقال إن الاقتراح الأول في تلك الحالة هو “هل يتعين التخلص من الأجنة وقتل الأطفال، وهل يتعين التخلص من روح بريئة من أجل الحصول على حياة أكثر هدوءا؟”.

وكانت النازية -تحت حكم الدكتاتور الألماني أدولف هتلر- قد طبقت برامج لتحسين النسل وتحقيق نقاء العنصر، وجرى خلالها إخضاع الآلاف من الأشخاص للتعقيم القسري، وقُتل عشرات الآلاف من الأشخاص، في محاولة لتخليص السلسلة الوراثية من أي إعاقات جسدية أو إدراكية.

جاء هذا الرفض القاطع من طرف البابا فرانسيس الأول، لعمليات الإجهاض بعد أسابيع قليلة من تصويت أيرلندا بأغلبية كاسحة لصالح إلغاء القيود الصارمة المفروضة على الإجهاض، في استفتاء وصفه رئيس الوزراء الأيرلندي بالثورة الهادئة.

وكان نائب رئيس الوزراء سايمون كوفيني، قد صرح للصحافيين بقوله إن “غالبية من شاركوا في الاستفتاء قرروا أن يضعوا قرار الإجهاض في يد النساء والأطباء بدلا من المشرعين والمحامين”.

وشارك في الاستفتاء 64 بالمئة ممن يحق لهم التصويت في واحدة من أعلى نسب الإقبال على الاستفتاءات في هذا البلد ذي الأغلبية الكاثوليكية، مما يطرح أكثر من سؤال يتعلق بمدى الأصداء والتفاعلات التي يمكن أن يطرحها الخطاب البابوي في الوسط المسيحي الأوروبي. كان ولا يزال موضوع الإجهاض يطرح الأسئلة الأخلاقية والدينية والحقوقية، ويجد له معارضين في جميع المنظومات الدينية والاجتماعية، ذلك أنه يتعلق بالتحكم في حياة كائن بشري، يفترض أنه يمتلك حقوقا مدنية حتى وإن كان في رحم أمه وفي طور التكوين.

ما يزيد موضوع الإجهاض تشعبا وتعقيدا أثناء مناقشته، هو أن الجميع يدلي بدلوه، ويقول رأيه، من الأسرة المعنية بشكل مباشر، إلى الطبيب والحقوقي ورجل الدين وغيرهم من الأطراف المعنية إلى أن يصل الموضوع إلى مرحلة البرنامج السياسي ويغدو شعارا انتخابيا كغيره من القضايا الحيوية في المجتمع.

ويقوم الإجهاض والقضايا المتعلقة به بدور بارز في الحياة السياسية الوطنية في العديد من الدول الغربية، وغالبا ما تنطوي على معارضة من جهة الحركات المناهضة للإجهاض، وتأييد من جهة مؤيدي حق المرأة في الاختيار بجميع أنحاء العالم.

وانخفضت حالات الإجهاض في جميع بلدان العالم، وذلك تزامنا مع زيادة خدمات تنظيم الأسرة والتعليم وخدمات منع الحمل. وظهرت مؤشرات اجتماعية أخرى اعتبرتها أوساط متخصصة نتيجة حتمية للسماح بالإجهاض مثل انخفاض معدل الجريمة.

ويعتبر الإجهاض حقا قانونيا ومكفولا في معظم دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها إسبانيا وهولندا وسويسرا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا، وحددته ألمانيا في 4 حالات تمثلت في: الحمل غير المرغوب فيه والحمل الناتج عن اغتصاب والإجهاض لأسباب صحية، والحمل الحاصل عند الفتيات ما دون الـ18 عاما.

 العديد من الدول العربية لديها قوانين تعتبر متحررة في ما يخص الإجهاض، حيث تبيحه الجزائر في حالة كونه يشكل خطورة على حياة المرأة أو صحتها الجسدية، بينما يبيح السودان الإجهاض إذا جاء الحمل نتيجة اغتصاب وكذلك البحرين، في حين تبيح تونس الإجهاض دون شروط وفي المستشفيات الحكومية للمتزوجة والعزباء على حدّ سواء، وذلك لأسباب كثيرة على رأسها الحفاظ على صحة الأم.

العلوم لا تنتهك الحرمات الإنسانية

الأم تقول كلمتها
الأم تقول كلمتها

إن مجرد مراجعة القرارات الصادرة عن المؤسسات الدينية عبر التاريخ الإنساني، والمتعلقة بقضايا اجتماعية ومعيشية، يحرك شعورا خفيا لدى المرء بالسخرية من فضول الكثير من رجال الدين آنذاك وهم يمتلكون اعتقادا راسخا مفاده أن البشرية ستصغي وتستجيب لأوامرهم وتفسيراتهم حتى نهاية الكون.

كم من قرار اتخذته المؤسسات الكهنوتية ودعمته بالنصوص اللاهوتية، وباركته بحضور الرعية والسلطات السياسية ثم أصبح مجرّد ذكرى لا تستحضر إلا للتندّر أو أخذ العبرة من التاريخ.

غريب أمر المؤسسات الدينية الرسمية، تعتقد أنها هي الوحيدة والمخولة للدفاع عن إنسانية الإنسان وصفاء عرقه، والتزامه بجملة القيم الأخلاقية والسلوكية التي تضمن استمراره. سؤال ربما غاب عن ذهن بابا الفاتيكان حين قارب عمليات الإجهاض الهادفة للتخلص من التشوهات الخلقية بالسياسة الهتلرية في الحرب العالمية الثانية، وهو: هل أن النازية التي مارست أبشع طرق التطهير والإبادة العرقية، كانت تفعل ذلك بدافع خدمة الإنسانية وتجنب معاناة الطفل والأم والأسرة أم بدافع عرقي حاقد، ينطلق من عقدة الاستعلاء التي استثمرت فيها حتى الدين نفسه.. ألم يكن الصليب المعقوف رمزا للنازية؟

يكاد يرتبط منع وتجريم وتحريم الإجهاض بالكنيسة الكاثوليكية دون غيرها من المؤسسات الدينية رغم أنه على نفس الدرجة من المنع، أكثر أو أقل بقليل في الطوائف والمذاهب الأخرى مع اختلاف طفيف في الأسباب والدوافع وتقدير النتائج والانعكاسات.

مؤسسة الفاتيكان لا تنفرد وحدها بهذه القرارات الحاسمة في ما يخص موضوع منع الإجهاض، وإنما تتأتى أهمية مواقفها وتصريحاتها من كونها تمثل رمزية كبيرة لثقل بشري ارتبط بدوره بدول كبرى وفاعلة في المشهدين السياسي والاقتصادي.

تسهيل الإجهاض وجعله سلوكا اعتياديا يتم في عيادات الأطباء مثل قلع ضرس، أمر لا تقبل به الأعراف الاجتماعية والأخلاقية

التصريحات الأخيرة لفرانسيس الأول، بابا الفاتيكان، في ما يخص رفضه الشديد للسماح بعمليات الإجهاض التي تتمّ بعد أن تُبين اختبارات ما قبل الولادة احتمال إنجاب أطفال يعانون عيوبا خلقية، جاءت كصيحة فزع لا بدّ منها إزاء هذا التطور السريع والمدهش للإنجازات الطبية والعلمية، وذلك خشيةً وتنبها منه إلى احتمال حصول ممارسات لا أخلاقية وسط هذا الزحام الذي أحدثته الثورة الرقمية.

الأمر الدقيق الذي ينبغي إدراكه في كلمة بابا الفاتيكان، هو ليس الجانب الإخباري وما يحتويه من تأكيد على موقف طالما عرفت به الكنيسة الكاثوليكية حتى بات يميزها دون غيرها، بل التنبيه إلى قيمة الإنسان الأخلاقية والروحية في عالم الربوتات والتعامل مع الأعضاء البشرية كقطع غيار وسط أكوام “الخرداوات” التي راكمتها الحروب والكوارث والآفات.

لن يخرج الأيرلنديون أو غيرهم من الذين قالوا كلمتهم في تعديل قوانين منع الإجهاض في مظاهرات ضد بابا الفاتيكان، ولن يتوقف الأطباء عن إجراء العمليات التي من شأنها أن تمنع مجيء طفل مشوّه يعاني مرضا أو عاهة مستعصية، لكن ما هو كائن، وما يجب أن يكون هو أن تستمر المؤسسة الدينية في دورها الأخلاقي والإنساني في حرصها على بقاء الجنس البشري، كما يستمر العلم في فتوحاته الخلاقة، وتستمر المؤسسات الاجتماعية والسياسية في عملها لصالح المجموعة الوطنية في كل البلدان التي تنشد النمو والتطور.

ما يتضح في جملة الإصلاحات التشريعية التي تشمل مسألة الإجهاض، وتكتسح العالم المسيحي على وجه التهديد، هو أن الموضوع في السنوات القليلة القادمة، لن يناقش من وجهتي المسموح والممنوح أو الحلال والحرام، وإنما من خلال التوجه إلى فكرة جوهرية هي: كيف لعملية الإجهاض أن تجنب المشقة للأم والطفل والمجتمع بصفة عامة؟

أما الأكثر من ذلك كله هو متى نصل إلى عالم خال من الأمراض الوراثية، مليء بالأصحاء.. ولا حاجة له عندئذ إلى عمليات إجهاض من أساسها.

بعض الدول العربية خطت خطوات مهمة في سن قوانين تسمح بالإجهاض الذي من شأنه أن يحلّ العديد من المشاكل مثل القانون التونسي الذي يسمح لأيّ امرأة راشدة بلغت العشرين بإجراء إجهاض الحمل غير المرغوب مهما كانت حالتها الاجتماعية (متزوجة أو عزباء)، بلا مقابل مادي، ودون الحاجة إلى موافقة أي شخص.

بفضل هذا النص التشريعي تمكن المجتمع التونسي من تجنب مشاكل هو في غنى عنها، خصوصا ضمن ظروفه ومحدودية إمكانياته ثم أن الإجهاض -أولا وقبل كل شيء- قرار فردي يخص الأم ضمن محيطها الأسري وملابسات ظرفها وحياتها الخاصة، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال تعميم هذا الأمر والحكم على فعل الإجهاض بمعزل عن المعني به وهي الأم وطفلها.

الجنين: رأي لا يستمع إليه أحد

الحق في الحياة للجميع
الحق في الحياة للجميع

 إثر ظهور نتائج الاستفتاء الأيرلندي المؤيدة لإلغاء القيود المفروضة على الإجهاض، أواخر الشهر الماضي، وحصول تأييد بنسبة 66 بالمئة يعلن الانتصار لصالح إصلاحيي برنامج الإجهاض قبل أشهر فقط من زيارة باباوية متوقعة إلى البلاد، كتب وزير الصحة الأيرلندي، سايمون هاريس، على حسابه بموقع تويتر “سننام الليلة على أمل الاستيقاظ في بلد أكثر عطفا وأكثر احتراما”.

وعبرت الناشطة في حملة “الدفاع عن الحياة” كورا شيرلوك، عن خيبتها في نتائج الاستطلاع، ولكنها قالت إن حملتها “ستقف أمام جميع التحديات”.

 ردود الفعل هذه، ليست من شخصيات كنسية، ولا من رموز كهنوتية بل من أسماء مدنية وسياسية وحقوقية ترى في رفع القيود القانونية على الإجهاض بمثابة الضوء الأخضر لإنهاء حياة “كائنات بشرية” باسم العلم والطب والرفاهية الاجتماعية وغيرها من التبريرات التي لا يمكن لها، بأي حال من الأحوال، أن تقنع أحدا بقتل أحد آخر في رحم أمّه.

تسهيل الإجهاض وجعله سلوكا اعتياديا ومقبولا يتمّ في عيادات الأطباء بشكل طبيعي مثل قلع ضرس، أمر لا تقبل به الأعراف الاجتماعية والأخلاقية، علاوة على خطورته وعواقبه الصحية والنفسية ثم إن هناك طرقا ووسائل أخرى تمنع الحمل وتتجنبه دون اللجـوء إلى مثل هذه العمليات المشمئزة في غالبها، والتي أصبحت بدورها تجارة رائجة في الخفاء.

غالبية المتحمسين والمناصرين لفكرة السماح غير الشرطي بالإجهاض، يتحدثون بلغة يُستشف منها وكأن عملية الإجهاض هي الغاية في حدّ ذاتها، وليست الوسيلة الاضطرارية التي يلجأ إليها الطب حين تنعدم أمامه الحلول مثل الحالات المتعلقة بصحة وسلامة الأم.

إن تأكيد البابا فرانسيس الأول، بابا الفاتيكان، على موقف الكنيسة الرافض أو المتحفظ إزاء موضوع الإجهاض، ليس مجرد عظة تقال في قدّاس أو زيارة رعوية، إنما هو موقف أخلاقي يستند إلى معطيات علمية ووقائع لا شك أنه على دراية بها، وهو الرجل المعروف بمتابعته واهتمامه بمستجدات كثيرة تحصل كل يوم.

الأمر الآخر الذي يجعل بابا الفاتيكان غاضبا لهول ما ينتهك باسم التقدم العلمي، ومحذرا من الوقوع في مآزق أخلاقية فظيعة، هو ثبوت تورط إنجازات علمية كثيرة في جرائم ومجازر لا تعير الأخلاق البشرية أيّ اعتبار.

متى تصل البشرية في عصرنا إلى عالم خال من الأمراض الوراثية والمستعصية، مليء بالأصحاء ولا حاجة له عندئذ إلى عمليات إجهاض من أساسها

مشكلة الكائن البشري أنه عادة ما يحكم بقسوة على ظواهر وحالات خارج حيزه الزماني والمكاني، ولا تربطه بها علاقة مباشرة، فلو وُجّه له نفس السؤال الأخلاقي القائل: ما هو رأيك في ما لو كنت في موقع الجنين؟ قد يبدو هذا السؤال الافتراضي طوباويا أو يجانب الواقع والمنطق، لكنه يعتبر حقيقة حتى لو لم نستطع إثباتها بالبرهان المادي.. ثم إن تاريخ الحضارة البشرية يبدأ وينتهي بسؤال أخلاقي على الدوام.

ويستمر تأثير العوامل الدينية والأخلاقية والثقافية على قوانين الإجهاض في جميع أنحاء العالم. فإن الحق في الحياة، والحق في الحرية، والحق في الأمن الشخصي، والحق في الصحة الإنجابية هي القضايا الرئيسية في مجال حقوق الإنسان التي تستخدم أحيانا لتبرير وجود أو عدم وجود قوانين السيطرة على الإجهاض.

وحتى في الكثير من البلدان التي تبيح الإجهاض نجد أنها تتطلب معايير معينة يجب الوفاء بها من أجل تقنين الإجهاض وعدم جعله حالة مستباحة، وذلك من وجهة النظر الأخلاقية والإنسانية في احترام الجنس البشري.

لا يختلف كثيرا الموقف من الإجهاض في العالمين العربي والإسلامي عن مثيله في العالم المسيحي مع بعض التباين الحاد بين بلد وآخر.

ويرى مراقبون أن المؤسسات الدينية في العالم العربي تميزت عموما بمواقف يغلب عليها الاعتدال مقارنة بالمتشددين، فالأمانة العامة لدار الإفتاء المصرية، أكدت في فتوى لها سابقا أنه “لا يجوز إجهاض الجنين إلا إذا قرر الطبيب الثقة أن في بقائه خطرا محققا ومؤكدا على حياة الأم الحامل، أو أن ذلك سيؤدى إلى استئصال رحمها أو إصابتها بعجز دائم أو مرض عُضال، أما تشوُّه الجنين أو حتمية الولادة القيصرية أو موت الجنين فور ولادته فليس مبررا للإجهاض”.

وأوضحت الفتوى الاسلامية أن الفقهاء اتفقوا على أنه إذا بلغ عمر الجنين في بطن أمه 120 يوما، وهى مدة نفخ الروح فيه، فإنه لا يجوز إسقاط الجنين، ويحرم الإجهاض قطعا في هذه الحالة، لأنه يُعتبر قتلا للنفس التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق، أما إذا لم يبلغ عمر الجنين في بطن أمه مئة وعشرين يوما فقد اختلف الفقهاء في حكم الإجهاض في هذه الحالة.

12