الإحجام والنفور في تصويت الأمنيين في تونس

طالما أن العقل السياسي التونسي اختار انضواء العسكريين والأمنيين في الخزان الانتخابي العام، فإن قراءة مسلكية التصويت ودوافعه ومشاغله وكوابحه أيضا، لا بد أن تنسحب على الجميع وبلا استثناء.
الثلاثاء 2018/05/01
حضور ضعيف

طوت تونس أول أمس صفحة الجزء الأول من الانتخابات البلدية بعد أن فتحت صناديق الاقتراع لأول مرة في تاريخ البلاد أمام العسكريين والأمنيين للإدلاء بأصواتهم في الاستحقاقات المحلية.

وبمنأى عن الطابع الاحتفائي للمشاركة باعتبارها سابقة في التاريخ السياسي الوطني وحتى الإقليمي، فإن الإحجام عن التصويت والذي لم يتجاوز في أحسن الحالات نسبة 12 بالمئة من جملة المسجلين في الانتخابات يطرح أكثر من نقطة استفهام واستفسار، لا فقط لأنّ مكوّنات بارزة من المجتمع المدني وعلى رأسهم بعض النقابات الأمنية كانت تنادي بقوة لإقرار حق التصويت للعسكريين والأمنيين، بل أيضا لأن الإمساك الملحوظ عن الانتخاب انسحب على كافة المراكز الانتخابية دون استثناء.

هنا يطرح تساؤل عميق، هل أن الإحجام مقتصر على الفاعل العسكري والأمني نظرا إلى حداثة التجربة وطبيعة القطاع الحساس الذي “يترفّع” عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية، أم أن القضية متصلة بسلوك انتخابي عام مرتبط بمنظومة من الخيبات الجماعية والفرص الوطنية الضائعة؟

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن الفرضية الأولى ينقصها الكثير من القدرة التفسيرية، فجدة التجربة السياسية والاقتراعية في الكثير من البلدان العربية التي عرفت تجارب انتقالية ديمقراطية كانت قادحة للتصويت المكثف وليس العكس، فالديمقراطية لها طابع الاستقطاب وطبيعة الجذب والطوابير الطويلة الواقفة أمام صناديق الاقتراع لشعوب عانت من ويلات الدكتاتورية تعكس في العمق رغبة دفينة في تأكيد مفهوم المواطنة المفقودة وفلسفتها.

قد تكون طبيعة السلك الأمني والعسكري، جزءا من الإجابة عن سؤال الإحجام، حيث أن رقي المهمة الوطنية في محاربة الإرهاب والتهريب والمحافظة على سيرورة الدولة ومؤسساتها ارتقى بالقطاعين، وخاصة العسكري، إلى منزلة “فوق السياسة والأحزاب”، ولكن هذا الإقرار ليس سوى الجزء من المشكلة وليس كلها.

ذلك أنه من الخطأ المنهجي أن ننظر إلى العسكريين والأمنيين بمنظور ميكروسكوبي يغض النظر عن الحالة الشعبية العامة والذين هم جزء أساسي منها، وطالما أن العقل السياسي التونسي اختار انضواء العسكريين والأمنيين في الخزان الانتخابي العام، فإن قراءة مسلكية التصويت ودوافعه ومشاغله وكوابحه أيضا، لا بد أن تنسحب على الجميع وبلا استثناء.

ذلك أن التصويت هو جزء من الحالة الشعبية العامة، وهو انعكاس لسيرورة المجتمع ولآماله من الطبقة السياسية وتمثل للفعل الديمقراطي كفعل تغيير وإصلاح، فلئن انجرفت مئات الآلاف إلى صناديق الاقتراع في العام 2011 ووقفت طوابير طويلة وسالت دموعها فرحا بالديمقراطية الوليدة، فإن العدد تقلص بشكل ملحوظ في العام 2014.

الفرق بين الحدثين أن التمثّل الجمعي للديمقراطية وللمشهد السياسي وللأحزاب كفاعلين ورافعة أساسية للتغيير والتطوير انحرف بشكل بنيوي وهيكلي. فلم يعُد المشهد الديمقراطي مغريا لكثير من القطاعات الشعبية التي تعيش على الهامش والفاقة، ولم تعد الأحزاب بكثرتها وعددها وعدّتها قادرة على الترويج للتغيير، لأنها بشكل من الأشكال كانت إما حاكمة مركزيا، أو مشاركة في الحكم، أو قريبة من دوائر اتخاذ القرار، وفي كل الحالات لم تصنع شيئا أمام تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

والأكثر إيلاما أن الديمقراطية، ثقافة ومقاربة وفلسفة، فقدت الكثير من بريقها، لا فقط لأن تونس تعيش ديمقراطية وليدة في خضم أحزاب دكتاتورية عتيدة، بل أيضا لأن الديمقراطية التي لا تأتي بالخبز لأمعاء الشعوب المفقرة، ولا تقدم أجوبة مقنعة عن أسئلة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية، هي مثل خيوط الفجر الكاذب الذي ينبؤ بانبلاج صبح لم يأت وقد لا يأتي أيضا.

صحيح أنه من الصعب للغاية أن نحكم على طبيعة التصويت ونسبته الأحد القادم، كما أن ترجيح فرضية على أخرى عملية غير آمنة علميا وصحفيا أيضا، ولكن الصحيح أيضا أن المؤشرات الواردة لا تذهب نحو تصويت مشابه لاقتراع 2011 أو حتى 2014.

لم يفهم ساسة تونس الرسالة السياسية التي أبرقها الناخب في مختلف الاستحقاقات الاقتراعية، والتي على رأسها أنّ ثورة 2011 ذات العناوين الاجتماعية والاقتصادية جلبت استحقاقات سياسية ومدنية وحقوقية، وأنه من الواجب التاريخي أن تأتي الانتخابات باعتبارها فعلا سياسيا مدنيا بمعظم الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية، وإلا فما معنى لثورة أسقطت النظام وأبقت على امتهان الكرامة، وما معنى لانتخابات تطبع مع الواقع المتردي وتمأسس حالة التسول لصندوق النقد الدولي.

تسود حالة من التشاؤم المجتمع التونسي، وفق الكثير من الإحصائيات، وهو تشاؤم نعزوه إلى السقف العالي للآمال والانتظارات بعد الثورة وتواضع النتائج المتحققة بعد 7 سنوات من إطلاق شعار الشعب يريد، وهو تشاؤم منبعه أيضا عدم رؤية بصيص الأمل أو على الأقل إدراك خارطة طريق الإنقاذ الشامل.

تونس اليوم، تتجه من التصويت المجتمعي إلى التصويت المؤدلج، وهو الاقتراع الذي تقاطعه الكثير من القطاعات الحية، وتتجه إليه بقوّة الأصوات المنحازة أيديولوجيّا أو ديماغوجيّا، بشكل تصبح النتيجة معروفة سابقا بالنظر إلى عدد المنتمين.

9