الإحساس باللغة

السبت 2016/09/10

هل الكتابة بالفصحى وتسطير الجمل والمفردات في محاولة للتعبير عن معنى ما هي لغة أيضا؟ في الواقع هذا السؤال طالما شغلني في الآونة الأخيرة، على الرغم من أن عملية الكتابة وآلياتها مرتبطة بالعوامل الفيزيائية للنص، أقصد طباعة الكلمات وتنسيقها وتقطيع الجمل واستخدام الفوارز والنقاط ومعرفة استخدام الفراغات وتظهير التحريك أو الإشارات، إلّا أن عملية الإحساس باللغة وانسيابيتها وابتكار موسيقاها لضمان سهولة القراءة ومتعتها، أمر آخر يحتاج إلى مَلكَة حقيقية. بالتأكيد النص السردي ليس شعرا في النهاية، لكن غنى المفردات وطريقة استخدامها وتناسقها أمور ضرورية للغاية من أجل ضمان قراءة سهلة وانسيابية، طالما أن النص كوحدة واحدة هو بناء مُحكم يتطلب الكثير من الاشتراطات الفنية.

إن الكتابة بكلمات فصحى واستخدامها عشوائيا للتعبير عن فكرة معيّنة لمجرد التعبير عن تلك الفكرة، هي ليست كتابة فنية بالضرورة، وإلا ما الفرق بين النص الإبداعي والكتابات الأخرى؟، كالنصوص القانونية والاقتصادية والسياسية.

إن قضية الإحساس باللغة ليست أمرا يمكن تعلّمه أو اكتسابه، ما لم يكن موجودا أصلاً لدى الكاتب كحاسة أصلية، يمكن صقلها وتنميتها لاحقا من خلال القراءات المختلفة والمتعدّدة، وبقدر تعلّق الأمر بالإيقاع الداخلي للنص وانسيابيته وامتلاكه لموسيقاه، فإنني غالبا ما أجد صعوبة في قراءة الكثير من النصوص التي يُفترض أنّها إبداعية، لافتقارها إلى ذلك الإيقاع الداخلي الذي يجعل القارئ ينساب في عملية القراءة الناعمة بطريقة سلسة. وينطبق الأمر هنا على النصوص المكتوبة مباشرة بالعربية أو تلك المنقولة من لغات أخرى، إذ غالباً ما تلعب لغة المترجم وامتلاكه الإحساس العالي باللغة، دورا جوهريا في نجاح النص المترجم أو المنقول من لغات أجنبية، وهنا تلعب ثقافة المترجم وقراءاته وتعمقه باللغتين دورا مهما بالتأكيد، وانطلاقا من هذا التوصيف شاعت مقولة الترجمة هي بمثابة كتابة ثانية للنص الأصلي.

لقد ولّدت الكتابة الرقمية بواسطة الكمبيوتر لدى الكثيرين إحساسا بالتغرب الوجداني في عملية الكتابة، فبالنسبة إلى هؤلاء الذين قضوا عقودا من الكتابة اليدويه واعتمدوا على الإحساس الفيزيائي بالقلم والورقة، مازالوا يجدون صعوبة في التواصل الوجودي مع الكتابة الإلكترونية، وعلى سبيل المثال، فإن عدم معرفة إظهار الإشارات أو كيفية استخدام الفوارز أو الفراغات القياسية سيؤثر تأثيرا كبيرا على البنية الفيزيائية للنص ومتانته، وبالتالي قد يتحوّل إلى أحد العوامل الرئيسية في ضعف الإحساس باللغة، على الرغم من أن القدرة على إيجاد الإيقاع الداخلي للغة وموسيقاها هو مَلكَة وليس اكتسابا كما ذكرت آنفا، ولعل المحررين الثقافيين أكثر من يعاني من تلك المشكلة في الحقيقة عندما يتصدون لتحرير النصوص المفككة والمليئة بالفراغات العشوائية والاستخدامات الخاطئة للفواصل والنقاط وإشارات التعجب والاستفهام والأقواس وغيرها.

إن الجهل في استخدام خاصّية الـ(Ctrl+F) على سبيل المثال، وإمكانياتها المهمة في تعديل النص، هو إحدى أبرز المشكلات التي يعاني منها الكثير من الكتّاب المعاصرين، ناهيك عن بعض الإمكانيات التقنية المهمة الأخرى. وفي المجمل، تبقى قضية الإحساس باللغة والتعامل معها نفسيا وفيزيائيا قضية محورية للغاية من شأنها أن تنفر القارئ أو تشدّه للمضي في القراءة والتمتّع بها، وما لم يسع الكاتب إلى تنمية إحساسه الداخلي وتواصله النفسي مع الكتابة الإلكترونية كجزء من ضروريات الإحساس باللغة، ستبقى هذه الإشكالية قائمة وهي قضية غير محسوسة أو مباشرة ولا يمكن في الغالب توصيفها بالنسبة إلى الكثير من القرّاء، لكن يمكن قياسها نسبيا على الأقل عند قراءة النص بواسطة قرّاء من مستويات متعدّدة في الغالب، ولا أعني هنا القراءة المثقفة، إنّما القراءة الممتعة وحسب.

كاتب من العراق

16