الإخراج المسرحي فن زائل يموت مع بداية العرض

المخرج سمير العصفوري يروي سيرة المسرح المصري المليئة بالمفارقات.
الجمعة 2020/11/13
لا توجد مدرسة مسرحية مصرية صميمة وأصيلة

المسرح ليس فنا فرديا، بل هو مرتبط بعناصر كثيرة، بداية من قاعة العرض ومرافقها، وصولا إلى الجمهور والممثلين والنص والحركة والسينوغرافيا والموسيقى والضوء، في هذا كله يلعب المخرج دورا بارزا، لكنه لا يتحكم في كل مفاصل اللعبة المسرحية. وهو ما يؤكده المخرج المصري سمير العصفوري في كتاب سيرته الذاتية الذي كرسه لسيرة المسرح المصري.

يحاول المخرج المسرحي المصري سمير العصفوري تدوين مسيرته الفنية الثرية بين الخشبة والإشراف والتدريس بكامل زخمها، حيث سجلها في كتاب جاء في جزأين بعنوان “سمير العصفوري.. المسرح وأنا”، كاشفا ومحللا رؤاه وأفكاره وخبراته وتجاربه وآراءه التي خاضها منذ بدء عمله في الستينات ممثلا ثم مخرجا ومدرّسا للمسرح.

وعرفت فترة الستينات بأنها فترة ثرية في الإبداع والإنتاج الفني في مصر إلا أنها وفقا للعصفوري “قليلة المصادر المتصلة بحركة الإخراج المسرحي، والسبب أن الإخراج المسرحي فن زائل يولد ويموت مع بداية العرض المسرحي ولهذا يصعب تسجيل المعلومات حول هذا الفعل الحي تسجيلا يضمن له البقاء”.

تأثيرات غربية

يقول العصفوري “يمكن للكتاب المسرحي تنظيرا كان أم تأليفا لنص أن يبقى ويخلد مع بقاء الكتاب، لكن الإخراج عمل ينبغي أن يعاش وأن يشاهد. صحيح أنه يمكن الآن تسجيل الأعمال المسرحية على شرائط الفيديو لكنها في الواقع لا تستطيع أن تكشف عن الروح العامة للعرض وطبيعته عند إنتاجه لأول مرة. مع ذلك نحاول جمع هذه المادة في كتاب واحد، أو أكثر من كتاب، يمكن الاستفادة منه على اعتباره وثيقة تسجيلية إبداعية تنظيرية”.

سمير العصفوري.. المسرح وأنا
سمير العصفوري.. المسرح وأنا

ويلفت إلى أنه عاصر كل التيارات الفنية المسرحية المذهبية التي تعرض لها المسرح في تطوره من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن. وعاصر أيضا معظم التيارات الأدائية في فنون المسرح، ويعني بالأدائية فن التمثيل وفن الديكور أو السينوغرافيا وفن الإضاءة، وعاصر هذه التقنيات وهي تتقلب وتتطور من بدايتها حتى حداثتها وابتكاراتها التي للأسف الشديد لن نستطيع أن نستمتع بها اليوم.

كما عاصر العصفوري مذاهب التمثيل في مصر بالمشاهدة وبالمتابعة سواء في الأعمال المسرحية أو في الأعمال السينمائية أو في دروس التمثيل وأيضا من خلال الإذاعة، فهناك تيارات ميلودرامية وهناك تيارات خطابية فيها الكثير من المبالغة المسرحية التي أصبحت بعد فترة طويلة مستهجنة عند الجمهور، ومع تطور الحس المسرحي وتعرض الدارسين والأساتذة للتيارات الأكثر حداثة والمدارس المرتبطة بعملية تدريب الممثل عن طريق الترجمة الرائعة لكتابي ستانسلافسكي “إعداد الممثل”، و”حياتي في الفن” وغيرها من الكتب، تطور المسرحيون بشكل لافت.

يقول العصفوري “في فن الإخراج الحديث لا أنكر أن أول كتاب قرأته عام 57 / 58 هو ‘في الفن المسرحي‘ لجوردون كريج، وقد أثر في تأثيرا كبيرا وأثار لدي تغييرا جذريا في فهمي، وهضمي للحالة المسرحية التي كنا نحياها في مصر؛ نظرا إلى أن الكتاب وضع خطا فاصلا بين ما كنا نقتنع به من عملية المحاكاة للإطار المسرحي والارتماء في أحضان الواقعية الشديدة بدلا من الوصول إلى فن آخر للعرض يتكلم نيابة عن الممثلين وعن المؤلف، فن يبرز مضمون وأفكار وتفاصيل النص المسرحي ويحوله لعرض يمكن أن نطلق عليه ‘مسرح الصورة‘”.

ويضيف “لقد غير هذا الكتاب نظرتي وفهمي للمسرح بشكل عام سواء في جماليات المسرح أو حركة الممثل الفرد أو حركة الجموع، وأن هذا الكتاب هو المؤثر الأكبر على كل إبداعاتي الفنية منذ قراءتي له وحتى الآن”.

ورغم أن كريج ورفيقه الآخر آبيا لم يحققا الكثير من الإنجازات المسرحية تطبيقا، لكنهما أثارا في عروق المبدعين المسرحيين على مستوى العالم أحلاما كبيرة تحققت أو لم تتحقق ونوقشت كل تجارب كريج وآبيا وتطورت على أيدي الكثيرين.

 يقول العصفوري “أنا حكواتي، فأنا الرجل الذي أقرأ حكايات كتبها الآخرون وأعيد قراءتها وأرويها أمام الناس مستخدما كل الحيل الفنية التي تجعل الحكاية جميلة مدهشة لافتة للنظر، ولهذا يأتي أحيانا وصفي للحظات مهمة أو لمواقف بعيدة بأسلوب حكواتي يروي قصة وإن كنت لا أهدف هنا إلى أن أروي قصة أو أكتب بالمعنى الفني لهذا التعبير، كذلك لا يمكن أن ألغي التأثر بالنصوص المسرحية العظيمة التي كتبها مؤلفون عالميون أو عرب أو مصريون؛ لأن هذه هي المصادر الرئيسية للإيحاء إلى العروض المسرحية التي قدمتها على مدار هذه السنوات الطويلة”.

المسرح حرفة

المخرج المسرحي سمير العصفوري يحاول تدوين مسيرته الفنية الثرية
المخرج المسرحي سمير العصفوري يحاول تدوين مسيرته الفنية الثرية 

يرى العصفوري أن التجربة الفنية تستدعي التعريف ببعض المحاولات للكتابة المسرحية وهي محاولات اضطرارية قليلة لم يقصدها بتعمد، لكنه لجأ إلى الكتابة عند احتياجه لأن يصمم عرضا مسرحيا يقوم على نص أدبي كما حدث في “عنبر رقم 6” لتشيكوف أو كما حدث في إعداد أعمال يونسكو في “ومازلت المغنية الصلعاء”، أو نصوص لماكس فريش في “مشعلو الحرائق” أو كتابة عمل مستقل يقوم على معارضة للشاعر صلاح عبدالصبور في “مسافر الليل” في احتفال الذكرى بقاعته “التي أنشأناها في مسرح الطليعة وسميناها ‘قاعة صلاح عبدالصبور’، وأسميت معارضي ‘مسافر الظهر'”.

ويذكر كذلك محاولة تقديم عرض لا يقوم على بناء درامي بالمعنى التقليدي لكنه يقوم على شذرات من الأشعار لبيرم التونسي متجاوزة وعن طريق المونتاج يمكن أن تقدم عرض منوعات يستغني بالموسيقى والحركة والغناء عن البناء الدرامي التقليدي وهو العرض المعروف بـ”العسل عسل والبصل بصل”.

الرصد والسرد هما الوسيلتان المعمول بهما في الكتاب حيث أوضح العصفوري “أسرد ما جرى وأرصد ما حدث وقد يكون رصدي شخصيا إلى حد ما وقد يتجاوز بعض الأسماء أو بعض الملامح أو بعض العروض وتلك هفوة، إذ تتسلل من الذاكرة أحيانا ثغرات واسعة ناتجة عن النسيان وليس التناسي.. فليغفر لي من يرصد هفوة أو سقطة أو منطقة منسية فلم أتعمد أن أنسى لكنها السن وكثرة الأحداث هي التي تجعلنا ننسى بعض اللحظات المهمة”.

ويوضح أن ما يأتي منذ ذكر السيرة الذاتية هو أمر متصل تماما بالمؤثرات التي تؤثر على المبدع وتعد من اللبنات الأساسية في تكوين استعداده وثقافته والتي تحدد متى وكيف تم للمبدع اكتشاف قدراته في فن المسرح ولماذا تعلق بفكرة التمثيل أو بفكرة الإخراج ولماذا لفظ فكرة التمثيل واهتم بفكرة الإخراج، والوسط المحيط أيضا بالمبدع هو وسط الأسرة والأساتذة الذين تأثر بهم والذين تعرفوا على قدراته وعلى ميوله وعمل معهم أو درس على أيديهم سواء في الجامعة أو في المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم شاركهم في العمل الفعلي على خشبات المسارح في إدارة الفرق المسرحية.

ويلفت إلى أن هؤلاء الأساتذة يمثلون تيارات تأثرت تأثرا مباشرا بالمدارس الفنية والأفكار الفلسفية للمسرح ولحرفيته من خلال دراستهم في الخارج أو على أيدي أساتذة كبار أو اعتناقهم لمذاهب وأفكار مسرحية مختلفة سواء أكان هذا التأثر تأثر جورج أبيض أم تأثر يوسف وهبي أم تأثر حمدي غيث، بيل الألفي، سعد أردش، كرم مطاوع، كمال يس، عبدالرحيم الزرقاني، وكل هؤلاء يمكن أن يمثلوا كتابا مسرحيا تاريخيا في الوقت نفسه.

الفن المسرحي لا يمكن حصره في أنه فن ثقافي رفيع المستوى لنخبة من التلامذة والأساتذة والنقاد والمشاهدين

ويرى العصفوري أنه لا يمكن إطلاقا أن ننظر إلى الفن المسرحي باعتباره فنا ثقافيا رفيع المستوى لنخبة من التلامذة والأساتذة والنقاد والمشاهدين. إنه ليس قيمة إضافية زائدة للحضارة ولكنه أيضا حرفة، حرفة فنية يشترك فيها حملة الشواكيش والأدوات والمقشات والمقصات، إنه مهنة حرفية يشترك فيها عدد كبير من أساتذة الصنعة هؤلاء الذين يصنعون الإطار الفني والذين يتدخلون في كل التفاصيل ويتحملون كافة المسؤولية.

ويلفت إلى أن “الدورة التعليمية دورة وراثية، إذ أننا نرث المعلومات الشفهية غير المكتوبة، كذلك العمال المتألقين والذين تدربوا أيضا في دار الأوبرا بالمسرح القومي وغيره من المسارح والذين ساعدونا مساعدات فعالة على فهم طبيعة الحرفة وأصول هذه الحرفة وطريقة التعامل مع كل آليات المسرح القديم، ولم تكن آليات المسرح القديم تكنولوجية متسعة لكنها كانت محدودة وكانت بخامات نبيلة من الأخشاب والحبال ووسائل بسيطة وميسورة لصنع المؤثرات الصوتية والمؤثرات الضوئية”.

ويضيف “لقد سمعنا هؤلاء الأسطوات الأساتذة بصعود منصاتهم العالية والتعرف على أسرار الصنعة بكل كرم ودون نزعات شخصية ودون أنانية في أن يعطي الأستاذ لتلميذه خلاصة هذه المعلومات، لقد تدربنا في أعلى مناطق الخطر لهذه المسارح وجئنا خلال الفتحات الضيقة والنوافذ العالية حتى قبة هذه المسارح لكي نتعرف على السر الكامن وراء عبقرية هذه الكائنات الحية التي عاشت سنوات طويلة تعطي الفن وتعطي الفكر وتعطي المتعة لجماهير واسعة”.

يقر كذلك “تعلمنا على أيدي من نسميهم مستقبلي أذواق الجمهور ‘البلاسيرات‘ فلديهم معرفة بأسرار نجاح العروض المسرحية والأيام التي يتألق فيها العرض ولا يتألق فيها، حتى الإخوة اليونانيون الذين كانوا يديرون بوفيه الأوبرا، علمونا كيف يمكن للدور الاقتصادية أن تفيد العرض المسرحي وراحة المشاهد في أن يشاهد عرضا به استراحة تسمح لهذا المشاهد بأن يذهب إلى دورة المياه أو إلى الكافيتريا لكي يحصل على فنجان من القهوة يجدد به نشاطه أو أن يروي عطشه بكأس أو كوب ماء. كل هذه المعارف وكل هذه العلاقات المتداخلة في صنعة المسرح على اعتباره مؤسسة مهنية حرفية”.

ونذكر أن المخرج المسرحي المصري سمير العصفوري يتمتع بمسيرة ثرية منذ تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1964، حيث عين ممثلا ثم مخرجا بفرق التلفزيون المسرحية في نفس العام، وعمل مدرسا للتمثيل بالمعهد العالي للتربية الموسيقية عام 1967، ليتدرج في الوظائف حتى أصبح مشرفا فنيا بالمسرح العالمي والمسرح الحديث ومسرح الحكيم، وتولى إدارة مسارح الطليعة والمسرح الحديث والمسرح القومي، وعين مستشارا للبيت الفني للمسرح، كما أسس قاعة 79 التي تحولت إلى قاعة صلاح عبدالصبور وأصبحت نموذجا للقاعات التجريبية بمصر فكرا وأسلوبا وأداء.

أما على مستوى الإخراج والإعداد للمسرحيات فقدم الكثير سواء لمسرح الدولة أو للمسرح الخاص أو للمسرح الجامعي، ومنها مسرحيات “العيال كبرت – إنها حقا عائلة محترمة – حزمني يا – طرائيعو – كده أوكيه – مقالب سكابان – البوب“، ومثل أيضا في أعمال مسرحية وتلفزيونية. ويعمل حاليا على إنجاز مسرحية جديدة بعنوان “مورستان” يجمع فيها نخبة من فناني المسرح الكبار.

15