الإخراج المسرحي كتابة على الكتابة

الأكاديمي العراقي عبدالرضا جاسم يؤكد أن الرؤية الإخراجية خطاب معرفي معدنه الخيال والواقع.
الاثنين 2020/10/26
المخرج الراحل سامي عبدالحميد على الركح

الكثير من النصوص المسرحية تحولت على الركح وبارحت تفاصيل النص المكتوب، إما بأن تضيف له أو تحذف منه أو تحوّل وجهته وتغير مضمونه وأفكاره، فعملية الإخراج لا تعني الالتزام التام بالنص المكتوب بل هي كتابة أخرى، تشبه الكتابة على الكتابة، ما يخلق من النص الأصلي عملا مسرحيا متكاملا.

يهدف كتاب "الكتابة الإخراجية في التعاضد الجمالي لأنساق تشكيل الخطاب المسرحي" للأكاديمي العراقي عبدالرضا جاسم، أستاذ المسرح في الجامعة المستنصرية، إلى تسليط الضوء على مفهوم الكتابة الإخراجية، وآلية تشكيل الخطاب المسرحي لدى المخرجين العراقيين، وكيفية تعاملهم مع الأعمال المسرحية العالمية في إعادة تقديمها للمتلقي العربي والعراقي.

وينطلق جاسم في بحثه من استعراض وتوضيح مصادر الرؤية الإخراجية، والعناصر المختلفة لتكوين جمالياتها، وبيان مرجعيات القراءة، وتكنولوجيا الكتابة الإخراجية ومناقشة الجدلية بين الشكل والمضمون، فضلاً عن تقنية الكتابة الإخراجية.

رؤى الإخراج

يرى عبدالرضا جاسم أن عملية قراءة النص المسرحي بوصفه قاعدة لنوع من الممارسة الإبداعية تتحرك عبر شبكة من العمليات البحثية في المعاني العميقة والدلالات المنفتحة والإحالات المباشرة وغير المباشرة. فالقاعدة النصية بالنسبة إلى المخرج ترتبط بالممارسة التي تتشكل من خلالها رؤيته الإخراجية، بل إن تلك العلاقة التعاضدية بين الأنساق اللغوية والأفعال الحركية والأشكال الصورية التي تشكل بمجملها مفردات بناء نظام شفرة نقل الخطاب لعادات وتقاليد مرتبطة بنمط معين من التلقي.

من هنا فإن المخرج يسعى لأن يؤسس قاعدته النصية اعتمادا على القراءة الجديدة والمغايرة لواقع النص المسرحي، وهي قراءة تنفلت من أسر النص، لينشئ صورا متخيلة للمعاني في بناء قاعدته الجديدة، ومحاولة جعلها واقعا معيشا على الخشبة يتماهى مع الراهن الذي يعكس بجميع الأحوال واقع المتلقي. ويشير الباحث إلى أن الخطاب المعرفي للرؤية الإخراجية يقترن بالوجود الواقعي للمتلقي، وأن مصادر هذه الرؤية التي تتشكل عليها عملية إعادة كتابة النص وفق سياقات القراءة الإخراجية لرسم ملامح نص العرض، تقع ضمن اشتراطات مرجعية لقيم المعرفة والعقل الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والميثولوجي، وهي تتمحور حول معطيات كل من الواقع والخيال.

الكتابة الإخراجية هي الصياغة الخاصة التي بواسطتها يجري تمثيل معاني النص المسرحي تمثيلا جديدا ومبتكرا

وقد حاولت الدراسات الحديثة الوقوف عند مصادر الرؤية الإخراجية والعوامل المؤثرة في تشكلها، والنظريات المفسرة لها، من أجل تثبيت أسسها النظرية المعرفية والجمالية، والانطلاق منها نحو تفصيلات مصادر الرؤية الإخراجية وما يتعلق بها من مؤثرات، إذ يمثل كل من الخيال والواقع أهم مصادر هذه الرؤية التي تتعاضد وتمتزج جدليا. ومن ثم تفصح دراسة مصادر الرؤية الإخراجية وتحديد العوامل المؤثرة فيها عن كون النظريات الجمالية الحديثة تمثل جوهر عملية تشكيل الرؤية.

 وفي محاولة الباحث العراقي وقف خلال تحليل عناصر الرؤية عند ملاحظتين، الأولى تتعلق بالطرق والوسائل التي تتشكل بها الرؤية، والثانية تتعلق بطبيعة الكشف عن الرؤية. وقد أثارت هذه المعطيات تساؤلا مركزيا: إلى أي مدى تتداخل المرجعيات المؤثرة في رؤية المخرج المسرحي، بوصفه قارئا جماليا يتجه أساسا نحو إعادة كتابة نص العرض، مع أنساق تشكل تلك الرؤية؟

يقول جاسم إن “المخرج يعتمد في تشكيل العرض المسرحي بشكل كبير على القراءة التأويلية للنص المسرحي من أجل استنباط المهيمنات الأسلوبية وإسقاط النظرية الجزئية سعيا لبناء رؤية كلية. ويتضح ذلك في الكتابة الإخراجية التي قدمها سامي عبدالحميد في عرض مسرحية ‘عطيل في المطبخ’، إذ تقترب هذه الكتابة من مفهومات علم الخطاب، وهذه العملية لا تتم إلا بتجاوز الأطر الجاهزة لمسرح العلبة من خلال اختياره للكافتيريا كمكان بديل للعرض وتشكيل رؤيته الإخراجية متحصنا بالنص ومنتهيا به. فيما أنتج عرض مسرحية ‘مكبث’ فضاء قرائيا يتكون بذاتية المخرج صلاح القصب، وهو ما تجلّى في القدرة على تقديم نص شكسبيري في فضاء مفتوح”.

ويؤكد أن ما كان لافتا للنظر هو المرجعيات المؤثرة في قراءة المخرجين فاضل خليل وعادل كريم للنص المسرحي لتنشئ نصا أو “مِيتَا نص” وهو نص العرض، وقد تكون هذه القراءة مغايرة بعض الشيء للغة النص ذاته ليكون بذلك نص العرض نصا مقصودا لذاته ولتكون المدونة النصية “فيأعالي الحب والأشباح” مثيرا أسلوبيا لهما انطلقا منه لصياغة رؤاهما الإخراجية وكتابة نص على نص ولغة على لغة.

ويبين أن العرض المسرحي كشف حضور المخرج بشكل مزدوج ذاتي وموضوعي، وهو في الوقت نفسه يسعى إلى ملء فراغات النص المسرحي وتهيئة فراغات جديدة للمتلقي. ومن نوع جديد تفتح آفاقا جديدة للتواصل ما بين الطرفين “العرض والمتلقي”، هذه المقاربة القرائية تجلت في عروض مسرحيّتَيْ “عطيل في المطبخ” و“مكبث” التي انعكست من خلالها رؤى المخرجين سامي عبدالحميد وصلاح القصب.

ومن جانب آخر اعتمد كل من المخرجين فاضل خليل وعادل كريم في تشكيل رؤيتهما الإخراجية على الخزين الفكري والجمالي العام الذي تشكل بفعل مرجعياتهما القرائية. ولا يخفى تنوع هذا الخزين واختلافه من مخرج إلى آخر. ومن ثمّ يأتي تباين الأساليب فما يمنح الكتابة الإخراجية تميزها وتفردها هو نمط المرجعيات المؤثرة في أنساق تشكلها.

تركيبة جمالية

قراءة جديدة ومغايرة لواقع النص المسرحي
قراءة جديدة ومغايرة لواقع النص المسرحي

يرى جاسم أن الكتابة الإخراجية هي الصياغة الخاصة التي بواسطتها يجري تمثيل معاني النص المسرحي تمثيلا جديدا ومبتكرا، بما يحيلها إلى صور مرئية معبرة، ولعل تلك الصياغة المتميزة والمتفردة التي تمثلت في عرض مسرحية “عطيل في المطبخ” هي صورة من صور العدول عن الصيغ النمطية المألوفة واقتراح صيغ إيحائية تأخذ مدياتها التعبيرية من عمق تعاضدها مع مجمل أنساق بناء وتشكل خطاب العرض المسرحي.

 ويشير إلى أن ما تثيره الصورة المسرحية في الكتابة الإخراجية لمسرحية “في أعالي الحب” مثلا يتصل بكيفيات التعبير وماهياته، والتي تهدف إلى تحويل الخيال إلى واقع والواقع إلى خيال بعد تحول غير المرئي من المعاني والشخصيات -كشخصية الجني مثلا- إلى محسوس عندما أحال الغائب إلى ضرب من الحضور بما يثيره الاختلاف والمغايرة ويستدعي البحث عن المعنى. كما أن الكتابة الإخراجية غذت معنى النص ومنحته فرادته الخاصة لدى المتلقي، كما في مسرحية “الأشباح” للمخرج عادل كريم، إذ تحول التشكيل الصوري في المشهد عن دلالاته القاموسية المباشرة إلى دلالات إيحائية جديدة منحت العرض هويته التي تتجدد باستمرار مع كل قراءة.

ويخلص جاسم إلى أن الواقع من خلال الكتابة الإخراجية يتحول إلى واقع خاص يتسم بالحركة والتغيّر، فتتحول مادياته إلى مقومات ومفردات جديدة ليعيد المخرج نظام الواقع وعلاقاته مبتعدا عن نسخه وإعادة تقديمه حرفيا، بل إنه يعيد إنتاج هذا الواقع من خلال إعادة قراءة النص المسرحي عبر تفاعل مع مفاهيم ومفردات الواقع المعيش التي تشكل جزءا كبيرا من المرجعيات المؤثرة في قراءة المخرج للنص مع أنساق الرؤية الإخراجية.

فالمخرج، في رأي جاسم، لا يعبث بالواقع حين يحوله إلى عالم مفترض، إذ أن العلاقات الرابطة بين أجزاء الواقع تتحول إلى علامات جديدة خاصة بشروط الكتابة الإخراجية وهي تعيد إنتاج الواقع جماليا. فالعرض المسرحي هو تركيبة جمالية تتعاضد في صياغتها أنساق “رؤية المخرج” و”مرجعيات القراءة” بشكل قصدي ضمن اشتراطات اللعبة المسرحية وعملية التفاعل بين مكونات الصورة وبنية المشهد التي تتفاوت وتتباين من مخرج إلى آخر ضمن مساحات الإبداع وفي فضاءات تنفتح فيها آفاق الرؤية أمام قراءات المتلقي للكتابة الإخراجية.

15