الإخفاق الأسري يدمر الشباب والمجتمع

الثلاثاء 2013/09/24
نشأة الأطفال في بيئة مهتزة يؤثر على تفاعلهم الاجتماعي والنفسي

القاهرة- أثبتت إحصاءات رسمية أن نسبة الطلاق في ارتفاع في العديد من الدول العربية، وما كان يتحمله الزواج في الماضي ويمضي الأزواج حياتهم سويا، وإن على مضض، أصبح الآن يقود إلى أبغض الحلال.

وفي هذا الاطار يطرح التساؤل حول مصير الابن الذي يحيطه الضياع.. ويحرم من الرعاية اللازمة مما يدفعه إلى أن يسلك طريق الانحراف، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود نماذج أخرى تحاول أن تنجو بنفسها، لحياة أفضل تعوضه ما افتقده من حنان ورعاية والديه.

قال "أ.ر" (17 عامًا) بنبرة حزينة: مشكلتي أنني يتيم الأب، مع العلم بأن والدي لا يزال على قيد الحياة، وهو ما يدعو للسخرية، جئت للدنيا بعد أن طلقت أمي من أبي، ونشأت في ظل رعاية جدي وجدتي وأمي التي آثرت البقاء دون زواج لتربيتي ورعايتي، أما والدي مع الأسف لم يكلف نفسه حتى مجرد عناء المجيء لرؤيتي والاطمئنان على أول طفل يرزق به، أو حتى المساهمة في نفقاتي التي كانت تتحملها أمي، وانحصر اهتمامه في هذا الوقت بتأثيث منزل الزوجية للزواج بأخرى، وانخرط في حياته الجديدة ناسيا وجودي وكأنني لم أولد.

وكلما ذهبت لرؤيته تنكر زوجته وجوده في المنزل، وإن ذهبت إليه في المكان الذي يتردد عليه مع أصدقائه يعاملني بكل برود وفتور، وإن أعطاني ما تطيب له نفسه من مصروف، يشعرني وكأنه يمن علي به، أو كأنه يعطيها لمتسول أو عابر سبيل.

ويصمت لبعض الوقت، ثم يتابع وعيونه مليئة بالدموع: حتى إخوتي من زوجته الثانية لا أعرف أسماءهم، فلم أشعر يوما بحنان وعطف الأب ولا حتى بصحبة الأخوة، وبنظرة تحمل إصرارا يستكمل حديثه: لذا حرصت والدتي على الاهتمام بي محاولة تعويضي عما افتقدته من عطف وحنان والدي، كما حاولت أنا بدوري تعويضها عما ضحت به من أجلي، وأثبت لوالدي بأنه فقد كثيرا بإهماله لي، وذلك بتفوقي دراسيا حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية، واعتبرت نفسي يتيم الأب ووحيدا دون إخوة.

ويحكي "ص.ع" (20 سنة) حكايته ومشاعر الأسويتحدث "ش.ن" باستهزاء قائلا: أراد والدي تجديد شبابه بعد زواجه من والدتي، والتي كانت الزوجة الثانية فطلقها وتزوج بأخرى، لم يتعد الوقت طويل وتزوجت والدتي هي الأخرى وأنجبت، وكان لي إخوة من أبي عن زواجه الأول، وبالرغم من كثرة الإخوة والأخوات من الطرفين، إلا أنني لم أشعر يوما بأن لي أخا أو أختا حقيقي، أتخذ أيا منه صديقاً وفياً لي، كما سيطر علي الإحساس بأنني يتيم، وذلك لانشغال، والدي بحياته الخاصة، وإخوتي الأكبر مني سنا، وانشغلت والدتي في حياتها الزوجية الأخرى وأبنائها من زوجها الثاني، ونسوا أو فضلوا نسيان وجودي وتولى خالي رعايتي وتربيتي منذ الصغر مع أبنائه رغم أنه صاحب دخل محدود، وسارت بنا الأيام بحلوها ومرها وفشلت في دراستي، نتيجة المعاناة التي أعانيها، ولكنني امتهنت مهنة ونجحت فيها وأصبحت أنفق على نفسي، ومرت الأيام ووصلت لسن الشباب ومرض والدي وتحملت أنا مسؤولية رعايته رغم كل ما عانيته منه، وتوفي والدي وحاولت التقرب من إخوتي لأجد الصدر الحنون الذي ظللت أبحث عنه طوال حياتي، لكنني وجدت حائطا منيعا كالسد يقف حائلا بيني وبينهم، كان هناك ترابط غريب بين الإخوات الأشقاء من الطرفين، وأخرجوني من حسابهم مما أثر علي تأثيرا كبيرا؛ فشعرت وكأنني منبوذ منهم؛ لذا عندما تزوجت وأنجبت أوليت زوجتي وأولادي كل عطفي وحناني وأغدقت عليهم من اهتمامي الذي كنت أسعى دائما لتبادله مع إخوتي والحصول عليه منهم، ولقد عوضني الله خيرا بزوجتي الوفية وأولادي، ووجدت عندهم ما لم أجده في حياتي من قبل من حب وحنان.

انفصال الأبوين مرادف لليتم بالنسبة إلى الأبناء

في هذا السياق قال الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: قد يحدث الطلاق بين الزوجين بسبب ضغوط الحياة وانفعالهم الزائد، والذي يخرجهم عن شعورهم، ولكنهم في خضم مشاكلهم وصراعاتهم حتى وصولهم لمرحلة الطلاق، لا يلقون حتى مجرد إعادة النظر في تأثير هذا الطلاق على الأبناء وما قد يترتب عليه من آثار سلبية تحدث لهم، خاصة إذا تزوج أحد الأبوين وأنجب أبناء آخرين، وأولاهم كل عطفه وحنانه، الأمر الذي يؤدي إلى نشأة الأبناء في جو غير صحي وغير مستقر نفسيا واجتماعيا؛ مما قد يؤثر على تحصيلهم الدروس بصفة خاصة، وتفاعلهم الاجتماعي مع الأسرة والأصدقاء والمجتمع من حولهم بصفة، عامة فينتج لديهم شعور بإصابتهم بالنقص وعدم الثقة بالنفس.

وأضاف: كل هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى زيادة التوترات النفسية لدى الابن، فيصبح تعيسا معرضا للانحراف بأشكاله المختلفة أو الإدمان أو الانزلاق في عمليات زواج فاشلة منذ البداية، ويصبح أيضا مشتتا بين إخوته من الأب والأم ومعرفة أيهما الأقرب إليه والأحب وقد يبتعد عن كليهما ويشعر بسلبهم لحقوق وحب وحنان والديه، وعلى الزوجين حال استحالت العشرة بينهما اللجوء إلى الصبر والدعاء، فإن نفدت المحاولات فعليهم بتقرير مصير الأبناء أولا قبل الطلاق، وعدم تقديم المصالح الشخصية على مصالح الأبناء، فكل منهم مسؤول أمام الله يوم القيامة، ففي الحديث الشريف: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".

ويقول الدكتور محمود توفيق إبراهيم المسؤول عن أحد مراكز الإدمان: الأسرة هي أهم كيان اجتماعي يجب الحفاظ عليه، واتجاه الشباب إلى الإدمان ليس إلا نتيجة من نتائج فشل الحياة الأسرية، وقد سمعت قصصا مأساوية جميعها تتفق أن انهيار الأسرة هو السبب، ولذلك لابد أن يكون هناك توعية كبيرة بين الشباب والحرص على تعليم الفتاة، ومحاولة تقديم الخدمات الاجتماعية للأسر المنتجة بحيث لا تعاني من الفقر أو المشاكل الاقتصادية. ويجب الحرص كذلك على منع العنف ضد المرأة سواء كان الأب أو الأخ أو الزوج، لابد أن تحاول المؤسسات الحقوقية ورعاية الأسرة، والمنظمات المحلية والعالمية أن تقدم يد العون من نصائح ومساعدات مالية واستشارات ما قبل الزواج وأثناء فترة الزواج الأولى. ويجب أن تقوم الدولة بتقديم الرعاية الكاملة للأسرة وأن يقف الوالدان بجوار أبنائهم ويتعرفون على مشاكلهم ويتفاهمون في الحياة، حتى لا تتفاقم المشكلات وتؤثر على الأبناء.

21